الرئيسية المنتدى القاعات الصوتية مكتبة الصوتيات اتصل بنا
حديث اليوم
https://up.tadbur.com/uploads/1443827110921.pngقال رسول الله ﷺ: ( مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟ قَالُوا: وَلاَ الجِهَادُ؟ قَالَ: وَلاَ الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) [رواه البخاري] https://up.tadbur.com/uploads/1443827110921.png

آخـــر الــمــواضــيــع

تسجيل البيانات الخاصة بي » الكاتب: بشرى أحمد » آخر مشاركة: بشرى أحمد استمارة الحق المبين » الكاتب: فوزية احمد » آخر مشاركة: فوزية احمد تسجيل طالبة جديدة » الكاتب: مديحة زقلة » آخر مشاركة: اشراف الحق المبين إختبار نهائى لسورة النساء » الكاتب: ام راكان » آخر مشاركة: ام راكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته » الكاتب: راضية عبد المجيد » آخر مشاركة: اشراف الحق المبين مسابقة شهر شعبان لعام 1439 » الكاتب: إدارة منبر التدبر » آخر مشاركة: إدارة منبر التدبر ,واجب الدرسين الثالث واعشرون والرابع والعشرون : » الكاتب: الهام سعد الدين شاهين » آخر مشاركة: إشراف بناء شهادات دورة الميزان اللفظي » الكاتب: إدارة منبر التدبر » آخر مشاركة: إدارة منبر التدبر حل أسئلة الدرسين الأخيـــــــــــــــــــــرين بحول الله وقوته » الكاتب: هبة ( محمد أمين) عناية » آخر مشاركة: إشراف بناء استمارة التسجيل في برنامج الحق المبين » الكاتب: مشكاة » آخر مشاركة: اشراف الحق المبين
+ الرد على الموضوع
صفحة 6 من 6 الأولىالأولى ... 456
النتائج 51 إلى 55 من 55
  1. #51
    عضو نشيط الصورة الرمزية أم عفاف
    تاريخ التسجيل
    Sep 2013
    المشاركات
    60

    افتراضي

    ..

    بسم الله الرحمن الرحيم..


    .
    تدبرات جزء عمّ.

    ..مقتبسة من مجموعة ليدبروا آياته..




    •سورة النبأ•


    عن عبد الله بن عمرو قال: ما نزلت على أهل النار آية قط أشد منها
    {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا}[النبأ: ٣٠]، فهم في مزيد من عذاب الله أبدا.

    [الدر المنثور].



    {لّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا}[النبأ: ٣٥].

    من ترك اللغو وابتعد عنه؛ فقد استعجل شيئا من نعيم الجنة.

    [د.عبد المحسن المطيري].





    •سورة النازعات•


    {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: ٤٠-٤١].

    يحتاج المسلم إلى أن يخاف الله، وينهى النفس عن الهوى، ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه -إذا لم يتسبب فيها-، بل على اتباعه والعمل به، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها، كان نهيه عبادة لله، وعملا صالحا، و{مَقَامَ رَبِّهِ}؛ أي: قيامه بين يديه تعالى للجزاء.

    [ابن تيمية].



    رأيت الخلق يقتدون أهواءهم، ويبادرون إلى مرادات أنفسهم، فتأملت قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: ٤٠-٤١]، وتيقنت أن القرآن حق صادق، فبادرت إلى خلاف نفسي، وتشمرت بمجاهدتها، وما متعتها بهواها، حتى ارتاضت بطاعة الله تعالى وانقادت.

    [حاتم الأصم].



    مهر الجنة: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: ٤٠-٤١].

    إلى صاحب القلب القاسي!
    إلى متى وأنت تعبد هواك، تعبد الدرهم والدينار؟
    فمتى يصفو لك توحيد؟
    سارع قبل فجأة الموت.


    [صالح المغامسي].



    {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: ٤٠-٤١].

    أتظن أن المسلم وهو يغالب شهواته، ويجاهد نفسه على الطهر والعفاف لا يجيش في نفسه الهوى؟
    كلا؛ بل يتحرك في نفسه من النوازع مثل ما في نفوس الفجار أو أشد، ولكنه يخاف مقام ربه، فينهى النفس عن الهوى.


    [د.سلمان العودة].



    {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: ٤٠-٤١].

    إذا سمعت من الإذاعة حديثا دينيا، وسمعت من الأخرى أغنية لفلان أو فلانة، وتركت الأغنية للحديث، فأنت قوي الإرادة، لأنك سلكت الطريق الصعب، إنك تكون قد صعدت، والصعود إلى العلى صعب، أما الهبوط فهو هين.

    [علي الطنطاوي].



    كان الحسن البصري أي قرأ: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}[النازعات: ٤٦].
    ابن آدم!
    هذه الدنيا إنما هي غدوة أو روحة، أما تصبر عن المعصية؟


    [آداب الحسن البصري].



    {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}[النازعات: ٤٦].

    تنطوي هذه الحياة الدنيا التي يتقاتل عليها أهلها ويتطاحنون، فإذا هي عندهم عشية أو ضحاها!
    أفمن أجل عشية أو ضحاها يضحون بالآخرة؟
    ألا إنها الحماقة الكبرى التي لا يرتكبها إنسان يسمع ويرى!


    [في ظلال القرآن].



    إذا كانت الدنيا كلها -في عمر الزمان- إنما هي {عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}[النازعات: ٤٦]، فكيف بليال معدودات من عمر الدنيا كلها؟
    والمؤمن يستعمل هذا المعنى في أمثال مواسم الطاعات؛ ليغتنم كل لحظة فيها، ويغار أن يمضي وقت منها في غير قربة، ولسان حاله يقول: {وعجلت إليك ربي لترضى}[طه: ٨٤].


    [أ.د.عمر المقبل].




    •سورة عبس•


    "ذكر ابن أم مكتوم في قصته في سورة عبس بوصفه {الأَعْمَى}[عبس: ٢]، ولم يذكر باسمه؛ ترقيقا لقلب النبي عليه؛ ولبيان عذره عندما قطع على النبي حديثه مع صناديد مكة؛ وتأصيلا لرحمة المعاقين، أو ما اصطلح عليه في عصرنا بذوي الاحتياجات الخاصة".

    [د.محمد الخضيري].


    {ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ}[عبس: ٢٢].
    إنما قال: {إِذَا شَاء أَنشَرَهُ}؛ لأن وقت البعث غير معلوم لأحد، فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى، متى شاء أن يحيي الخلق أحياهم.


    [تفسير القاسمي].



    تدبر عملي..
    ألم يمر بك قوله تعالى:
    {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}[عبس: ٢٤] ؟
    فكم مرة نظرت إلى طعامك؟
    جرب لترى أثر ذلك في قلبك!


    [أ.د.عمر المقبل].



    {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ*وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}[عبس: ٣٥-٣٤].

    ابتدأ بالأخ!
    ومن عادة العرب أن يبدأوا بالأهم، ولحكمة في ذلك أن الابتداء يكون في كل مقام بما يناسبه، فتارة يقتضي الابتداء بالأعلى، وتارة بالأدنى، وهنا المناسبة تقتضي الابتداء بالأدنى؛ لأن المقصود بيان فراره عن أقاربه مفصلا شيئا بعد شيء، فلو ذكر الأقرب أولا لم يك في ذكر الأبعد فائدة طائلة، فإنه يعلم أنه إذا فر من الأقرب فر من الأبعد.


    [ابن تيمية].



    قدم الله في (سورة عبس) ذكر الوجوه المسفرة على الوجوه التي وصفها بالغبرة والقترة، بعكس ما وقع في(سورة النازعات) من تقديم أهل الهوى على أهل الهدى، وسر التقديم المذكور؛ لأن سورة عبس أقيمت على عماد التنويه بشأن رجل من أفاضل المؤمنين، والتحقير لشأن عظيم من صناديد المشركين، فكان حظ الفريقين مقصودا مسوقا إليه الكلام، وكان حظ المؤمنين هو الملتفت إليه ابتداء، وأما "النازعات" فقد بنيت على تهديد المنكرين للبعث، فكان السياق للتهديد والوعيد وتهويل ما يلقونه يوم الحشر.

    [ابن عاشور].



    قسمات وجوه الطلاب بعد تسليم ورقة الاختبار تشعرك بما تكنه صدورهم، وهو شيء مؤقت..
    فما ظنك بالوجوه حين تؤخذ الكتب -يوم القيامة- باليمين والشمال؟
    إما وجوه
    {مُّسْفِرَةٌ*ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ}[عبس: ٣٨-٣٩]،
    أو
    {عَلَيْهَا غَبَرَةٌ*تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}[عبس: ٤٠-٤١]،
    وما بعد ذلك: نعيم لا ينفذ، أو عذاب مؤبد، فهل من معتبر؟




    •سورة التكوير•


    قرأ قارئ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ*وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ*وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ}[التكوير: ١-٣]، وفي الحاضرين أبو الوفاء بن عقيل، فقال له قائل: قد نشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب، فما الفائدة من هدم الأبنية، وسير الجبال، ودك الأرض ...؟
    فأجابه ابن عقيل: إنما بني لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر، والاستدلال عليه بحسن التأمل والتذكر، فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خربها لانتقال الساكن مننها.


    [بدائع الفوائد].



    سؤال الموءودة في قوله تعالى {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ}[التكوير: ٨]، لا يعارض الآيات النافية السؤال عن الذنب؛ لأنها سئلت عن أي ذنب كان قتلها؟
    وهذا ليس من ذنبها، والمراد بسؤالها هنا توبيخ قاتلها وتقريعه؛ لأنها تقول: لا ذنب لي.
    فيرجع اللوم على من قتلها ظلما.


    [أضواء البيان].



    في قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ*لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ}[التكوير: ٢٧-٢٨].
    إشارة إلى أن الذين لم يتذكروا بالقرآن ما حال بينهم وبين التذكر به إلا أنهم لم يشاءوا أن يستقيموا، بل رضوا لأنفسهم الانحراف، ومن رضي لنفسه الضلال حرم الهداية:
    {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[الصف: ٥].

    [ابن عاشور].



    {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ}[التكوير: ٢٨].

    وفي الآية إشارة إلى أن من الخطأ أن يوزن حال الدين الإسلامي بميزان أحوال بعض المسلمين أو معظمهم -كما يفعله بعض أهل الأنظار القاصرة من الغربيين وغيرهم- إذ يجعلون وجهة نظرهم التأمل في حالة الأمم الإسلامية، ويستخلصون من استقرائها أحكاما كلية يجعلونها قضايا لفلسفتهم في كنه الديانة الإسلامية.

    [ابن عاشور].




    •سورة الانفطار•


    في كارثة جدة منذ أعوام، تذكرة ببعض ما سيكون يوم المعاد!
    لقد رأى الناس أثر تهدم بعض السدود فيما وقع من فواجع!
    فإذا كان هذا أثرا لاجتماع سيل عارض من ماء، فكيف سيكون الحال إذا جاء زمان:
    {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}؟ [الانفطار: ٣]، هي مواقف نحياها، فالموفق يعتبر، ومن لم يعتبر فليبحث عن قلب، فإن برودة الحس في أمثال هذه الأحداث علامة على قسوة القلب.

    [أ.د.ابتسام الجابري].


    أعد النظر في نفسك، وتأمل حكمة اللطيف الخبير في تركيب البدن، ووضع هذه الأعضاء مواضعها منه، وإعدادها لما أعدت له، وإعداد هذه الأوعية المعدة لحمل الفضلات وجمعها؛ لكيلا تنتشر في البدن فتفسده، ثم انظر إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ*الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}[الانفطار: ٦-٧].

    [ابن القيم].



    تأمل في سر التعبير بقوله: {بِرَبِّكَ} دون قوله: (بالله) في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ*الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}[الانفطار: ٦-٧]، فإن في هذه اللفظة من معاني الملك والرعاية والرفق التي تناسب تذكر الإنسان بنعم الله عليه، وتذكير باستحقاقه تعالى لطاعة مربوبيه.

    [ابن عاشور].



    لا تظن أن قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}[الانفطار: ١٣-١٤].
    يختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة: الدنيا، والبرزخ، والآخرة، وأولئك في جحيم في دورهم الثلاثة!
    وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب، وسلامة الصدر، ومعرفة الرب تعالى، ومحبته، والعمل على موافقته؟!


    [ابن القيم].




    •سورة المطففين•


    قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: "الصلاة مكيال من وفَّى وُفِّي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين"، وهذا من عمق علم السلف بالقرآن، حيث عمم معنى الوعيد الوارد في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} ولم يقصره على التطفيف في البيع والشراء فحسب.

    [مجموع الفتاوى].



    نزل قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}، في تطفيف المكاييل والموازين الحسية، ويدخل في هذا الوعيد التطفيف المعنوي كمن يعتذر لنفسه ولا يعتذر لغيره، ويمدح طائفة بشيء لا يمدح به الأخرى، ولا يذكر للفاضل إلا العيوب والهفوات، وهذا القياس تطبيق لقوله: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان}[الشورى: ١٧]، فالقرآن توزن به الأمور، ويقاس ما لم يذكر على ما ذكر.

    [د.محمد الخضيري].



    قال علي رضي الله عنه: إن الإيمان ليدو لمعة بيضاء، فإذا عمل العبد الصالحات نمت فزادت حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق ليبدو نكتة سوداء، فإذا انتهك الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب كله، فيطبع عليه؛ فذلك هو الختم وتلا قوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[المطففين: ١٤].

    [الغزالي].



    كلما تراكمت الذنوب طبع على القلوب؛ وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين ويستهين بأمر الآخرة ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصور الهم عليها: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[المطففين: ١٤].

    [أبو حامد الغزالي].



    انتبه قبل أن يموت قلبك!
    قال الحسن البصري في قوله:
    {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت.



    قست القلوب وغلب عليها حب الدنيا، وملأتها مشاغل الحياة وهمومها ولذاتها، فلا بد أن نحتال عليها حتى نذكرها بربها وبآخرتها، وأن ندور من حولها لنجد الباب الموصل إليها، لئلا نكون ممن قال الله فيهم: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[المطففين: ١٤].

    [علي الطنطاوي].



    القلب مثل الكف، فيذنب الذنب فينقبض منه، ثم يذنب الذنب فينقبض منه، حتى يجتمع؛ فإذا اجتمع طبع عليه، فإذا سمع خيرا دخل في أذنيه حتى يأتي القلب فلا يجد فيه مدخلا، فلذلك قوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[المطففين: ١٤].

    [حذيفة بن اليمان].



    حجاب دنيوي وأخروي!
    {
    كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}[المطففين: ١٥].

    أعظم عذاب أهل النار هو حجابهم عن ربهم -عز وجل-، ولما كانت قلوبهم قاسية لا يصل إليها شيء من نور الإيمان وحقائق العرفان؛ كان جزاؤهم على ذلك في الآخرة حجابهم عن رؤية الرحمن، والعارفون خوفهم في الدنيا من احتجابه عن بصائرهم، وفي الآخرة من احتجابه عن نواظرهم.

    [ابن رجب].



    الدنيا ليست نهاية المطاف: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ}[المطففين: ٢٩]،
    هل انتهى الأمر؟
    لا:
    {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}[المطففين: ٣٤].

    [د.مساعد الطيار].



    •سورة الانشقاق•


    لا أرى أن نسمي الإجازة عطلة؛ لأنه ليس في أيام الإنسان المسلم المؤمن عطلة، بل ولا غير المؤمن، كل يعمل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ}[الانشقاق: ٦]، نعم هي عطلة من الدراسة النظامية؛ لكن لو سميت بدلا من العطلة إجازة؛ فهذا جيد.

    [ابن عثيمين].



    {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ*فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا}[الانشقاق: ١٠-١١].

    كما أنه جعل كتاب الله وراء ظهره في الدنيا، جعل الله كتاب عمله وراء ظهره في الآخرة، خزيا وعارا.

    [ابن عثيمين].



    •سورة البروج•


    {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ*النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ}[البروج: ٤-٥].

    الذين أحرقوا المؤمنين في الأخدود سيحرقون، ولكن أين؟
    في جهنم
    {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}[البروج: ١٠]،
    أحرقوا المؤمنين في الدنيا؛ فأحرقوا في الآخرة، وما أعظم الفرق بين حريق وحريق.


    [د.عبد الوهاب الطريري].



    {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}[البروج: ١٠]،
    قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، هم قتلوا أولياءه وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة!



    يقول أحد الدعاة: رأيت مغنيا مشهورا طالما فتن الشباب والفتيات، فقررت ألا أدعه حتى أنصحه، فسلمت عليه، وألهمني الله أن ألقي في أذنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}[البروج: ١٠]، ثم ذهبت، فوالله ما مرت أيام إلا وقرأت خبر توبته في الصحف.

    فما أجمل الوعظ بالقرآن إذا صادف انتقاء حسنا، وقلبا واعيا!



    أوضاع أهلنا في الدول الإسلامية أمر يستوجب منا الفزع لربنا والتضرع إليه أن يفرج كربتهم، وأن ينتقم من عدوهم، فإن عدوهم مهما بلغت قوته فليس بشيء أمام قوة الجبار جل جلاله، ألسنا نقرأ قوله تعالى في سورة البروج:
    {
    إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ*إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ*وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ*ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ*فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ*هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ*فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ*بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ*وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ}[١٢-٢٠]

    إذا لم تسكب هذه الآيات -وأمثالها- القوة في قلوبنا لنترجمها إلى دعاء صادق، فأي شيء إذا؟
    ألا فلننطرح بين يدي ربنا، ونستنصر لإخواننا في صلواتنا ودعواتنا.



    •سورة الطارق•


    "هل يسرك أن يعلم الناس ما في صدرك -مما تحرص على كتمانه ولا تحب نسبته إليك-؟! قطعا لا تحب، بل ستتبرأ منه لو ظهر.
    إذن قف مع هذه الآية متدبرا، وتأمل ذلك المشهد العظيم:
    {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}[الطارق: ٩]، {وحصل ما في الصدور}[العاديات: ١٠]
    أتريد النجاة من هذا كله؟
    إذن حاول أن تأتي ربك كما أتى الخليل -عليه الصلاة والسلام- ربه تعالى:
    {إذ جاء ربه بقلب سليم}[الصافات: ٨٤].
    وهنا؟ "لن ترى ما يسوؤك".


    [أ.د.ناصر العمر].



    صدرك صندوق لأكثر أعمالك، وسيفتح هذا الصندوق: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}[الطارق: ٩]،
    فانظر ما الذي سيفتح عليه الصندوق؟
    أيسرك أن يفتح وفيه رياء أم حسد أم شيء يكدر سلامته؟
    هنيئا لمن قيل له أنت ممن:
    {أتى الله بقلب سليم}[الشعراء: ٨٩].

    [أ.د.عمر المقبل].



    {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
    فيقول الله تعالى:
    {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} ففي هذه الآية العظمية يذكر الله عباده بشأن القلوب، وأعمالها، وسرائرها، مما لا يعلمه الناس وهو بها عالم.

    كما ينبه الله سبحانه وتعالى إلى أن هذه السرائر ستبلى وتختبر يوم القيامة، ويظهر ما فيها من الإخلاص والمحبة والصدق أو ما يضادها من النفاق والكذب والرياء؛ وذلك في يوم القيامة يوم الجزاء والحساب، وهذا واضح من الآية وما قبلها وبعدها؛ حيث يقول الله: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ*يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ*فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ}[الطارق: ٨-١٠].

    والقلب هو محط نظر الله وعليه يدور القبول والرد كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولك ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

    والسريرة إذا صلحت صلح شأن العبد كله وصلحت أعماله الظاهرة ولو كانت قليلة.

    والعكس من ذلك عندما تفسد السريرة، فإنه يفسد بفسادها أقوال العبد وأعماله، وتكون أقرب إلى النفاق والرياء عياذا بالله تعالى، ويوضح هذا الأمر قوله: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".

    يقول ابن القيم: في تفسير هذه الآية {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}: "وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة، وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة؛ فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا، فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء، ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعا لسريرته، لا اعتبار بصورته، فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا، وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته، فيوم القيامة تبدو عليه سريرته، ويكون الحكم والظهور لها".

    ومما سبق يتبين لنا عظم شأن القلب، وخطورة السريرة، حيث إنها محط نظر الله سبحانه وتعالى وعليها مدار القبول عنده سبحانه، وحسب صلاحها وفسادها يكون حسن الخاتمة وسوؤها.

    وكلما صلحت السريرة تمت الأعمال الصالحة وزكت ولو كانت قليلة، والعكس من ذلك في قلة بركة الأعمال حينما تفسد السريرة ويصيبها من الآفات ما يصيبها.

    وهذا هو الذي يفسر لنا تفوق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على غيرهم ممن جاء بعدهم، ممن قد يكون أكثر من بعض الصحابة عبادة وقربات؛ حيث إن أساس التفاضل بين العباد عند الله سبحانه وتعالى هو ما وقر في القلب من سريرة صالحة مطابقة لما ظهر في العلانية من أعمال وأقوال.
    يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا أفضل منكم، قيل له: بأي شيء؟ قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم".
    وأخبار السلف في حرصهم على أعمال القلوب وإصلاح السرائر كثيرة ومتنوعة، وبخاصة فيما يتعلق بمحبة الله سبحانه وتعالى والخوف منه وإخلاص العمل له سبحانه؛ ومن ذلك: ما ذكره خالد بن صفوان قال: "لقيت مسلمة بن عبد الملك فقال: يا خالد! أخبرني عن حسن أهل البصرة، قلت: أصلحك الله أخبرك عنه بعلم: أنا جاره إلى جنبه وجليسه في مجلسه وأعلم من قبلي به: أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبهه قولا بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنيا عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه، قال: حسبك! كيف يضل قوم هذا فيهم؟".


    فإن سألت:
    ما العلامات التي تعرف بها السريرة الصالحة من الفاسدة؟


    فيقال: إن لذلك علامات، منها:

    العناية بأعمال القلوب؛ ومنها: إخلاص الأعمال والأقوال لله سبحانه وتعالى ومحاولة إخفائها عن الناس وكراهة الشهرة والظهور، والزهد في ثناء الناس.
    ويضاد ذلك: الرياء، وإرادة الدنيا بعمل الآخرة وحب الظهور.

    الإنابة إلى الدار الآخرة والتجافي عن الدنيا والاستعداد للرحيل وحفظ الوقت وتدارك العمر.
    ويضاد ذلك: الركون إلى الدنيا وامتلاء القلب بهمومها ومتاعها الزائل، ونسيان الآخرة وقلة ذكر الله سبحانه وتعالى وتضييع الأوقات.


    سلامة القلب من الحقد والغل والحسد.
    ويضاد ذلك: امتلاؤه بهذه الأمراض.

    التسليم لأمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله دون لماذا؟ وكيف؟
    ويضاد ذلك: الولوع بالمتشابهات والخواطر الرديئة.


    فكل هذه الخصال -وغيرها- تدل على صلاح في السريرة؛ وأضدادها إنما هي من خصال المنافقين الذين فسدت سرائرهم كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.


    فلنجتهد في إصلاح السرائر، حتى إذا ابتليت يوم القيامة نجت من الفضيحة والخزي.
    والله المستعان.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    [الشيخ عبد العزيز الجليل].



    •سورة الأعلى•


    قرأ ابن مسعود {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} فلما بلغ {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}[الأعلى: ١٦]
    ترك القراءة وأقبل على أصحابه فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها، وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل، وتركا الآجل.


    [الدر المنثور].



    في قوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى*فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}[الأعلى: ٤-٥]
    هذا مثل للحياة الدنيا، ولعاقبة الكفار، ومن اغتر بالدنيا، فإنهم يكونون في نعيم وزينة وسعادة، ثم يصيرون إلى شقاء في الدنيا والآخرة، كالمرعى الذي جعله غثاء أحوى -أي هشيما متغيرا-.



    قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى}[الأعلى: ٩]،
    أي: ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله.


    [ابن كثير].



    من الخطأ أن يبرر البعض ترك القيام بالدعوة استدلالا بهذه الآية: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى}[الأعلى: ٩] دون النظر في الآية الأخرى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}[الذاريات: ٥٥].

    فالدعوة نافعة حالا أو مآلا، لكن قد تطرأ أسباب يكون من الحكمة تأخير التذكير لعارض، وبهذا نجمع بين الآيتين.

    [أ.د.ناصر العمر].



    {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى}[الأعلى: ٩]
    من مفهوم هذا أنها إن ضرت، فترك التذكير الموجب للضرر الكثير هو المتعين.


    [السعدي].



    قوله تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى*وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى}[الأعلى: ١٠-١١].
    قال قتادة رحمه الله: والله ما خشي الله عبد قط إلا ذكره، ولا يتنكب هذا الذكر زهدا فيه وبغضا لأهله إلا شقي بَيِّن الشقاء.



    {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى*وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}[الأعلى: ١٤-١٥].

    استنبط بعضهم زكاة الفطر والتكبير والصلاة من هذه الآية، قال السعدي رحمه الله في هذا: "إنه وإن كان داخلا في اللفظ وبعض جزئياته، فليس هو المعنى وحده".



    شرع الله الدين والعبادات والأوامر والنواهي لإقامة ذكره، ولهذا يذكر أن العبادات ناشئة عن ذكره، كما قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى*وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}[الأعلى: ١٤-١٥] فجعل الصلاة ناشئة عن الذكر ومسببة عنه.

    [السعدي].



    {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[الأعلى: ١٧].

    لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى؟!

    [مالك بن دينار].



    {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا*وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[الأعلى: ١٦-١٧]،
    السعيد يرغبه الله في الآخرة حتى يقول: لا شيء غيرها، فإذا هضم دنياه وزهد فيها لآخرته، لم يحرمه الله بذلك نصيبه من الدنيا، ولم ينقصه من سروره فيها، والشقي يرغبه الشيطان في الدنيا حتى يقول: لا شيء غيرها، فيجعل الله له التنغيص في الدنيا التي آثر، مع الخزي الذي يلقى بعدها.


    [ابن المقفع].




    •سورة الغاشية•


    مر الفاروق رضي الله عنه براهب، فوقف ونودي الراهب، فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطلع فإذا بالراهب من الضر والاجتهاد وترك الدنيا شيء عظيم، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال: قد علمت، ولكني رحمته، ذكرت قول الله: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ*تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}[الغاشية: ٣-٤]، فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار.



    في وصفه تعالى للجنة بقوله: {لّا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً}[الغاشية: ١١]
    دلالة على أن نقاء الجو الذي يعيش المرء فيه من العبارات الخادشة والقبيحة من أنواع النعيم، فينبغي على المسلم أن ينزه لسانه وسمعه عن اللغو، ويربي نفسه وأهله على الطيب من القول.


    [د.عبد الرحمن الشهري].



    اتفقت سورتا الأعلى والغاشية في كلمة {فَذَكِّرْ} مما يدل على أن السورتين تركزان على التذكير بعظم حق الله، استدلالا بآياته، وتخويفا من شدة عذابه، ولذا قال: {النَّارَ الْكُبْرَى}[الأعلى: ٢٤]،{الْعَذَابَ الأَكْبَرَ}[الغاشية: ٢٤]، مما يبعث المؤمن على الحرص على تزكية نفسه، والحذر من الإعراض عن شرع ربه.

    [د.محمد الربيعة].



    {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ}[الغاشية: ٢١]، إذا رأيت قلبك لا يتذكر بالذكرى فاتهمه؛ لأن الله يقول: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}[الذاريات: ٥٥]، فالذكرى لا بد أن تنفع المؤمنين.

    [ابن عثيمين].



    {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}[الغاشية: ٢٢]
    من الجهلة من يضع هذه الآية في غير موضعها، فيريد أن يتخذها حجة على حرية التدين بين جماعات المسلمين!
    وشتان بين أحوال أهل الشرك وأحوال المسلمين، فمن يلحد في الإسلام -بعد الدخول فيه- يستتاب، فإن لم يتب قتل، وإن لم يقدر عليه فعلى المسلمين أن ينبذوه، ويعاملوه معاملة المحارب.


    [ابن عاشور].



    قال تعالى: {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ}[الغاشية: ٢٤]
    ولم يقل: الكبير، وفي ذلك لطيفة، قال أهل العلم: وإنما قال الأكبر لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسر والقتل.


    [القرطبي].



    كم مرة سمعت: {أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}[الغاشية:١٧].

    ثم بادرت لتنظر في عظمة خلقها!

    إن تنفيذها لسهل ويسير، وإن أثرها في القلب عظيم.

    [أ.د.عمر المقبل].




    •سورة الفجر•


    {وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ}[الفجر: ١-٢]
    هذه الأيام التي كان الصحابة يجتهدون فيها بالعبادة، فهي أفضل الأيام على الإطلاق؛ لأنه يجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها من أمهات العبادات؛ من صلاة وصيام وصدقة، ولا يتأتى هذا الاجتماع في غير هذه الأيام، وعلى رأس العبادات التي فيه الحج.


    [محمد المنجد].



    من أسرار التعبير بهذه الجملة: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}[الفجر: ٢]
    لم يقل (الليالي العشر) لأن في تنوينها تعظيما، وليس في ليالي السنة عشر ليال متتابعة عظيمة مثل عشر ذي الحجة، التي هي وقت مناسك الحج، ففيها الإحرام، ودخول مكة، وأعمال الطواف، وفي ثامنتها ليلة التروية، وتاسعتها ليلة عرفة، وعاشرتها ليلة النحر، فتعين أنها الليالي المرادة بليال عشر.


    [ابن عاشور].



    {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}[الفجر: ٢]
    سبحان من فضل هذه الأمة، وفتح لها على يدي نبيها نبي الرحمة، أبواب الفضائل الجمة، فما من عمل عظيم يقوم به قوم، ويعذر عنه آخرون؛ إلا وقد جعل الله عملا يقاومه، أو يفضل عليه، فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه.


    [ابن رجب]



    {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}[الفجر: ٢]
    يا عبد الله لذ بالجناب ذليلا، وقف على الباب طويلا، واتخذ في هذه العشر سبيلا، واجعل جناب التوبة مقيلا، واجتهد في الخير تجد ثوابا جزيلا، قل في الأسحار: أنا تائب، ناد في الدجى: قد قدم الغائب.


    [ابن الجوزي].



    {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ}[الفجر: ٥]
    سمي العقل حجرا لأنه يعقل صاحبه ويحجره عما لا يليق به شرعا وعرفا، لكن مهمة العقل ليست مجرد المنع والحجر، بل إن من لوازم منعه عما لا يليق به: أن يصرفه إلى ما خلق له من الإبداع والتفكير والإنتاج؛ ولذا أكد القرآن على ذلك:
    {لعلهم يتفكرون}[الأعراف:١٧٦]، {أفلا يعقلون}[يس: ٦٨].

    [أ.د.ناصر العمر].



    في قوله تعالى في أول سورة الفجر: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ}[الفجر: ٥]، أي: عقل، فنأخذ منها معنى يحسن التنبيه إليه: وهو أن القرآن يخاطب العقول، وبالتالي فلا تناقض بين هداية القرآن ودلالة العقل، بل العقل الرشيد الصادق لا تخطئ دلالته، ولهذا أحالنا القرآن عليه: {لقوم يعقلون}{لعلهم يتفكرون}.

    [د.سلمان العوده].



    عن مجاهد في قوله تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}[الفجر: ١٥]، قال: ظن الإنسان كرامة الله في كثرة المال، وهوانه في قلته، وكذب!
    إنما يكرم بطاعته من أكرم، ويهين بمعصيته من أهان.


    [الدر المنثور].



    {وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}[الفجر: ١٨]
    فتأمل الإتيان بصيغة الجمع في قوله: {وَلا تَحَاضُّونَ} ففي ذلك إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون هناك مجهود جماعي في الحث على الإطعام، ويؤكد هذا أن القرآن -في الفترة المكية- أبرز قضية العناية بحقوق الناس، وخاصة الضعفاء؛ لأن حفظ الحقوق يحفظ المجتمعات، وبالإطاحة بها تنهار المجتمعات من داخلها.


    [د.سلمان العودة].



    {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}[الفجر: ٢٠]
    القرآن يضع أيدينا من أول يوم على موطن الداء، ومكمن المرض العضال، إنه مرض ذو شعبتين: شعبة تنخر في نفسية الفرد، وشعبة تفت في كيان الأمة والدولة.


    [محمد دراز].



    {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا*وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}[الفجر: ٢١-٢٢]
    ليس للتأكيد كما يظنه طائفة من الناس، وإنما المراد الدك المتتابع، أي: دكا بعد دك ... وكذلك قوله: {صَفًّا صَفًّا} ليس للتأكيد، إذ المراد صفا بعد صف، أي صفا يتلوه صف.


    [ابن تيمية].



    من أهمته ذنوبه صارت نصب عينيه ولم ينسها، ومن لم تهمه ذنوبه، هانت عليه فنسيها ولم يذكرها إلى: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}[الفجر: ٢٣].

    [ابن رجب].



    {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}[الفجر: ٢٤]
    إنما قال: لحياتي، ولم يقل: (لهذه الحياة) على معنى أن الحياة كأنها ليست إلا الحياة في الدار الآخرة، قال تعالى:
    {وإن الدار الأخرة لهي الحيوان}[العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة.

    [الرازي].



    العبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي، ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية، التي يجد غب إضاعتها يوم يقول:
    {
    يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}[الفجر: ٢٤].

    [ابن القيم].



    من لم تطمئن نفسه في هذه الدنيا بشريعة الله وحكمه، فلن يكون مطمئنا في الآخرة، ولن يستمع لذلك النداء العظيم: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ*ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً*فَادْخُلِي فِي عِبَادِي*وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر: ٢٧-٣٠].
    فاطمئن هنا لتطمئن هناك.


    [أ.د.عمر المقبل].



    {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي*وَادْخُلِي جَنَّتِي} هل تأملت سر تقديم {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي}؟
    رفقة عباد الله نعيم في حد ذاته، فكيف إذا كانت هذه الرفقة في جنة الله؟


    [د.محمد القحطاني].




    •سورة البلد•


    {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}[البلد: ٧]؟
    أي موعظة هذه التي تقول للمرائي: قف!
    وللزاني: عف!
    وللسارق: كف!
    ولكل عاص: خف ثم خف!
    أما تستشعر نظر من لا يخفى عليه شيء جل أو لطف؟


    [أ.د.عمر المقبل].



    تدبر تترجمه الدموع: قرأ الفضيل رحمه الله هذه الآية: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ}[البلد: ٨-٩]، فبكى، فسئل عن بكائه، فقال: "هل بت ليلة شاكرا لله أن جعل لك عينين تبصر بهما؟ هل بت ليلة شاكرا لله أن جعل لك لسانا تنطق به؟"
    وجعل يعدد من هذا الضرب.



    {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[البلد: ١٠]
    اختيار كلمة (النجدين) في هذه السورة، بينما في السور الأخرى جاء التعبير {إنا هديناه السبيل}[الإنسان: ٣] و {ثم السبيل يسره}[عبس: ٢٠]، وغيرها؟
    فاختيار كلمة
    {النَّجْدَيْنِ} هنا مناسب لجو السورة، فإن سلوك النجد فيه مشقة وصعوبة؛ لما فيه من صعود وارتفاع، فهو مناسب للمكابدة والمشقة التي خلق الإنسان فيها، ومناسب لاقتحام العقبة وما فيه من مشقة وشدة.

    [د.فاضل السامرائي].



    في قوله تعالى: {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ}[البلد: ١٥]، تعليم أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله.

    [القرطبي].


    {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[البلد: ١٧]
    التخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها، فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر عليها؛ حتى تصير مكارم الأخلاق ملكة لمن راض نفسه عليها.


    [ابن عاشور].




    •سورة الشمس•


    {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا*فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا}[الشمس: ١٣-١٤].
    إذا كان هذا عذابه لهؤلاء، وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم، فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا.


    [ابن تيمية].
    .

    النفس إن تركتها كانت سفيرة إبليس لديك وعونه عليك، وإن ألزمتها الموعظة الدائمة والندم على كل ذنب صارت لوامة، وإن استمر ذلك منها حتى صار عادة لها ابتعد الشيطان عنها فصارت نفسا مطمئنة {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[الشمس: ٩-١٠].

    [علي الطنطاوي].




    •سورة الشمس•


    {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا*فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا}[الشمس: ١٣-١٤].
    إذا كان هذا عذابه لهؤلاء، وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم، فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا.


    [ابن تيمية].



    النفس إن تركتها كانت سفيرة إبليس لديك وعونه عليك، وإن ألزمتها الموعظة الدائمة والندم على كل ذنب صارت لوامة، وإن استمر ذلك منها حتى صار عادة لها ابتعد الشيطان عنها فصارت نفسا مطمئنة {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[الشمس: ٩-١٠].

    [علي الطنطاوي].




    •سورة الليل•


    {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى}[الليل: ٥]، وقال: { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[النحل: ١٢٨]،

    هذان الأصلان هما جماع الدين العام كما يقال، التعظيم لأمر الله، والرحمة لعباد الله، فالتعظيم لأمر الله يكون بالخشوع والتواضع وذلك أصل التقوى، والرحمة لعباد الله بالإحسان إليهم.

    [ابن تيمية].



    قال الشيخ السعدي رحمه الله: هذه الآيات جمعت جميع الأسباب التي تنال بها السعادة؛ فأسبابها ثلاثة:
    فعل المأمور
    {أَعْطَى}،واجتناب المحظور {وَاتَّقَى}، وتصديق ما أخبر به الله ورسوله {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}، فمن جمعها {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}.

    •●•

    قال الإمام مالك: قرأ عمر بن عبد العزيز في الصلاة سورة الليل فلما بلغ: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى}[الليل:١٤]، خنقته العبرة فسكت، ثم قرأ فنابه ذلك، ثم قرأ فنابه ذلك، وتركها وقرأ: {والسماء والطارق}.

    [شرح صحيح البخاري لابن بطال]
    •●•
    كم مرة استوقفتك هذه الآية؟
    لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الله الجنة، إلا من شرد على الله كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم يصدقني فإن الله تعالى يقول: {لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى}[الليل: ١٥]
    الذي كذب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتولى عنه.


    [أبو أمامة].


    {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى•الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}
    ومما يبين الحب لله والحب لغير الله: أن أبا بكر رضي الله عنه كان يحب النبي ﷺ مخلصا لله، وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله، فتقبل الله عمل أبي بكر وأنزل فيه:
    {
    وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} الآيات، وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله، بل أدخله النار؛ ﻷنه كان مشركا عاملا لغير الله.

    [ابن تيمية].



    دل القرآن على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه، فإن قوله تعالى:{وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى*الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}[الليل: ١٧-١٨]، نزل في أبي بكر بإجماع المفسرين،
    والأتقى: أفعل تفضيل، فإذا ضممت إلى ذلك قوله تعالى:
    {إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}[الحجرات: ١٣]. تبين لك أن أبا بكر أفضل هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [الرازي].



    تدبر سورتي: (الليل)و(الحجرات)؛ حيث وصف الله أبا بكر بأنه: (الأتقى)، و(الأكرم)، فكان جزاؤه بأنه: (سيرضى)، مع أن عمره في الإسلام قرابة: (٢٥) سنة.

    فماذا حققت من تلك الصفات، التي أهلته لأن يدخل من أي أبواب الجنة شاء؛ لتفوز بالدخول من أحد هذه الأبواب؟

    [أ.د.ناصر العمر].
    ....

    ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤].

    الحمد لله وحده، وبعد:

    فقد ذكر الماوردي في [أدب الدنيا والدين] أنه مَرَّ بعضُ الزُّهَّادِ برجُلٍ قد اجتمعَ عليه النَّاسُ، فقال: ما هذا؟ قالوا: مِسكينٌ، سَرَقَ منه رَجُلٌ جُبَّةً.

    وَمَرَّ به آخَرُ فَأَعْطَاهُ جُبَّةً، فقال: صَدَقَ اللَّهُ: {إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}.

    لو نظرتَ – على سبيل المثال- في أحوال الناس في المطار؛ لرأيتَ من الناسِ (سعيًا شتّى)، فكلٌّ يحملُ حقيبةَ سفر، لكنَّ المقاصدَ متفرِّقةٌ، فهذا مسافرٌ لأداء العمرةِ، وهذا في رحلةِ علاجٍ طبي، وذاك لتجارةٍ يخشى كسادَها، ورابعٌ للنزهة، وخامسٌ للدراسة، وسادسٌ للتقديم على وظيفة، وسابعٌ لزيارة أقاربه، وثامنٌ لحضور بطولةٍ رياضيَّة، وتاسعٌ بلا هدفٍ فاضل، وعاشرٌ لهدفٍ سافلٍ!

    تعدَّدَت الأغراض، وتنوَّعت المقاصد، واختلفت الغاياتُ، وكلُّهم مسافرٌ!

    وصَدَقَ اللَّهُ: (إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى).

    لو تأمَّلتَ هذهِ الآيةَ الفذَّةَ التي بلغت الغايةَ إيجازًا وصِدْقًا؛ لرأيتَ كيفَ أنَّها في غايةِ المناسبةِ حينما وقعت جوابًا لأقسامٍ ثلاثةٍ أقسمَ بها ربُّ العِزَّةِ في مطلع سورةِ الليل.

    (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) .

    فقدَ أقسمَ بالليلِ والنهارِ وهما في غايةِ التضادِّ، فالأوَّل أسودُ معتمٌ، والثاني أبيضُ مضيءٌ، وليسُ الليلُ كالنهار!

    ثُمَّ أقسمِ بنفسهِ خالقِ الذَّكرِ والأنثى، وهما كذلك متضادَّان، (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى)!

    ثمَّ جاءَ جوابُ القسمِ مجلِّيًا لهذهِ الحقيقةِ، وهي الاختلافُ الكثيرُ، والتضادُّ الكبير في أعمال النَّاس وسعيهم (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) فمِنْ عاملٍ خيرًا، ومِن عاملٍ شَرًّا!

    و(شَتَّى) جمعُ شتيتٍ، كـ (مرضى) جمعُ مريضٍ.

    والسعيُ هنا مطلق العمل لا سعي الأقدام، وما زالَ النَّاسُ مذ خلقهم ربُّهم وهم على غيرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ، فابنا آدمَ – عليه السلام – يقولُ قابيلُ لهابيلَ: (لَأَقْتُلَنَّكَ)، ويرُدُّ هابيلُ: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)، وكان سعيُهما شتَّى!

    وما اختلافُ سعي الأعمالِ إلا لاختلافِ ما تنطوي عليه القلوبُ، فالقلبُ يأمرُ، والجوارحُ تُنَفِّذُ، فاختلفت أعمالُ الناس لاختلافِ قلوبهم وما انطوت عليه، و(مَا جَعَلَ اللهُ لرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) وما جعلَ لرجلين قلبًا واحدًا!

    ومِنَ العجيبِ أنَّ اختلافَ السعْيِ ليسَ محصورًا في اختلاف مساعي الناس فيما بينهم، بل منه اختلافُ حالِ المرء في نفسهِ وتشتُّتِ سعيه مع مرورِ الأيَّامِ، وتصرُّمِ الأعوام!

    وفي هذه الآية من الإشاراتِ: أنَّ الإنسانَ عندَ اللهِ بسعيهِ، وأنَّ من سعى في الصَّالحاتِ يُسِّرَ لليُسرَى، ومن سعى في السَّيِّئات يُسِّرَ للعُسرى، (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)!

    وفيها؛ أنَّ أصلَ الفلاحِ وأساسَه صلاحُ القلبِ وإعمارُه، فما سَعْيُ الإنسانِ إلاَّ بأمرِ قلبِه النافذِ.

    وفيها؛ أنَّ أحوالَ النَّاسِ في الخلوةِ مختلفةٌ كأحوالهم في الجلوة، وهي في الخلَواتِ أكثرُ اختلافًا، وأعظمُ تباينًا، فقد يتفقُ في ساعةٍ رجلانِ، وبينهما حجابٌ، وكلاهما في عُزلةٍ من الناسِ، ولا يدري أحدٌ عن صاحبهِ، فهذا فرحٌ بخلوته، مستلِذٌّ بمناجاة الله، مسرورٌ بما يقيمُ عليه، قد نالَ رضى الله، وذاك فرحٌ بخلوتِه، مستلِذٌّ بمعصيةِ الله، مسرورٌ بما يُقيم عليه، قد باء بسخطٍ من الله!

    وصدقَ اللهُ: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}.

    [مهند المعتبي].



    يتبع. بإذن الله

  2. #52
    عضو نشيط الصورة الرمزية أم عفاف
    تاريخ التسجيل
    Sep 2013
    المشاركات
    60

    افتراضي





    •سورة الضحى•

    {وَالضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}[الضحى: ١-٢]،
    نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم نورا وأنسا، صلاة الضحى والليل تبعثان في النفس سرورا وأنسا، وهما من أعظم العلاجات لكشف الهموم.
    [د.محمد الربيعة].

    انقطع الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم ليلتين أو ثلاثا فحزن كثيرا؛ لأن القرآن كان زاده في الطريق الطويل، ونوره في الظلمات، فأنزل الله تسلية له:
    {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}[الضحى: ٣].
    فعجبا لمن يودع القرآن ويهجره أياما وأسابيع بحجة انشغاله عنه!
    ما أقل بركة عمل يشغلك عن كتاب ربك!
    [أ.د.ناصر العمر].

    تذكر جيدا عظمة هذا القرآن الذي تقرأه، وأنه لا حياة لقلبك، ولن يرى النور، ولن ينفعك من الجهل، ولن ينعم بالهداية إلا بهذا الكتاب، فأنت بدونه: ميت، وأعمى، وجاهل، وضال.
    تأمل:
    {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى}[الضحى: ٧]،
    والآية:
    {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[الشورى: ٥٢].

    تأمل قوله تعالى:
    {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى*وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى*وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى}[الضحى: ٦-٨].
    فلن يقل: فآواك فهداك فأغناك؛ لأنه لو قال ذلك لصار الخطاب خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس الأمر كذلك، فإن الله آواه وآوى به، وهداه وهدى به، وأغناه وأغنى به.
    [ابن عثيمين].

    {وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى}[الضحى: ٨]، وقد أغناه الله غناءين: أعظمهما غنى القلب إذ ألقى في قلبه قلة الاهتمام بالدنيا، وغنى المال حين ألهم خديجة مشاركته في تجارتها.
    [ابن عاشور].

    {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ}[الضحى: ١٠].
    السائل منكسر بالفقر وذل السؤال، فإذا ضممت إلى ذلك سوء الرد تضاعف كسره، فإن لم تحسن إليه بالبذل فلا أقل من حسن الرد.
    [العز بن عبد السلام].

    {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ}[الضحى: ١٠]، كم يفوت علينا من الخير عندما نقصر المعنى على بعض أفراده، ومن ذلك هذه الآية حينما نحصر معناها في سائل المال!
    بينما المعنى أشمل من ذلك وأعم، وأعظمه السؤال عن العلم والدين، فهل يدرك المفتون والمعلمون أنهم مخاطبون بهذه الآية؟
    فليترفقوا بالسائلين؛ استجابة لأمر الله، وتحدثا بنعمة الله عليهم.
    [أ.د.ناصر العمر].



    •سورة الشرح•

    المتدبر لمناسبة مجيء سورة الشرح بعد "الضحى" ينكشف له كثير من المعاني المقررة في السورة، ومنها ما فيه قوله:
    {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح: ٥-٦]، فمجموع السورتين يعطيان مثالا حيا لتقرير هذه السنة، فسورة الضحى تمثل جوانب العسر التي عانها نبينا عليه السلام؛ ليعقبها جوانب اليسر في "الشرح" حتى انتهى المثل، يأتي التعقيب بأن مجيء اليسر بعد العسر سنة لا تتخلف.
    [فلوة الراشد].

    عن حفص بن حميد قال: قال لي زياد بن حدير: اقرأ علي، فقرأت عليه:
    {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ*وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ*الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}[الشرح: ١-٣]، فقال: يا بن أم زياد، أنقض ظهر رسول الله؟!
    أي: إذا كان الوزر أنقض ظهر الرسول فكيف بك؟!
    فجعل يبكي كما يبكي الصبي.
    [حلية الأولياء].

    هل تشعر يثقله؟
    {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ*الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}[الشرح: ٢-٣]،
    هكذا الذنب: يثقل الظهر ويوهنه لمن بقي في قلبه إحساس..
    أما رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فماذا عني وعنك؟
    تحسس مفاصل روحك، هل تشعر بصريرها؟
    [أ.د.عمر المقبل].

    {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}[الشرح: ٤]،
    قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.
    [تفسير ابن كثير].

    كما أن الشانئ والشاتم هو الأنقص والأبتر، فإن من حمى جناب النبي صلى الله عليه وسلم، ودافع عنه، له نصيب وافر من الرفعة وعلو المكانة، نظرا لعلو ورفعة منزلة من دافع عنه، تدبر:
    {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}[الشرح: ٤].
    [أ.د.ناصر العمر].

    {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح: ٥-٦]، أشد عسر واجهه النبي صلى الله عليه وسلم كان عناد قومه وعدم استجابتهم له، فوعده الله بيسرين مقابل عسر واحد، فجاء اليسر الأول متدرجا بإسلامهم آحادا، ثم اكتمل اليسر الثاني بالنصر والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا؛ فلا تيأس مهما واجهك من عسر وشدة، فهي محنة في طياتها منح.
    [أ.د.ناصر العمر].

    تمر بنا أحيانا ضائقة قد تبكينا أو حتى تدمينا ألما، ولكني أعزي نفسي بهذه الآية:
    {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح: ٥-٦]، فوجدت الراحة التامة، حتى وأنا في أحلك الظروف أبتسم، لأني أعلم يقينا أن بعد العسر يسرين.
    [من متدبر].

    {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ*وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}[الشرح: ٧-٨]، هذه خطة لحياة المسلم وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي: فإذا فرغت من عمل ديني فانصب لعمل دنيوي، وإذا فرغت من عمل دنيوي فانصب لعمل ديني أخروي، فالمسلم يحيا حياة الجد والتعب، فلا يعرف وقتا للهو والبطالة قط.
    [أبو بكر الجزائري].



    •سورة التين•

    سورة التين يتجلى فيها الحسن والكمال: في الثمار، والبلدان، والخلقة والفطرة؛ فما ذكر فيها هو الأحسن في بابه وجنسه.
    [د.محمد القحطاني].

    من تدبر قول الحكيم جل وعلا:
    {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}[التين: ٤] لم يتجرأ أن يسخر من إنسان خلقه الله، ولا أن يحتقر خلقة مدحها الله.
    [د.محمد القحطاني].

    {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}[التين: ٨].
    وهذا تقرير لمضمون السورة؛ من إثبات النبوة، والتوحيد، والمعاد، وحكمه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه..بالحجة والقدرة والظهور عليه.
    [ابن القيم].

    {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}[التين: ٨].
    فهل تقتضي حكمته أن يترك الخلق سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون؟!
    أم الذي خلق الإنسان أطوارا بعد أطوار، وأوصل إليهم من النعم والخير والبر ما لا يحصونه لا بد أن يعيدهم إلى دار هي مستقرهم وغايتهم؟!
    [السعدي].



    •سورة العلق•

    إذا جهل القلب عظمة الرب، تجرَّأ فخاض ثم انغمس؛ فافتح لقلبك أبواب المعرفة بربك من خلال: إدامة النظر في كونه، وإطالة التدبر في آي كتابه، بهذا افتتح العليم كتابه في سورة العلم
    (اقْرَأْ).
    [د.عصام العويد].

    سورة العلق بدئت بـ:
    {اقْرَأْ}، مفتاح العلم الذي بُيِّن بآية: {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}[العلق: ٥]، وختمت بآية: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}[العلق: ١٩]؛ ففيها بيان المنهج الحق الذي ضل عنه اليهود الذين لم يعملوا بعلمهم، والنصارى الذين عبدوا الله على جهل وضلال، فالطريق المستقيم: عبادة الله وحده على علم وبصيرة، مع توحيد مصدر التلقي المشار إليه بقوله: {كَلاَّ لا تُطِعْهُ}[العلق: ١٩].
    [أ.د.ناصر العمر].

    {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}[العلق: ١-٥].
    في هذه الآيات الخمس تسع مسائل مرتبطة ببعضها ارتباط السبب بالمسبب، والعام بالخاص، والدليل بالمدلول عليه، وكلها من منهج هذا الكتاب المبارك، وكلها مسائل عظيمة الدلالة، وأشار ابن تيمية أنها وأمثالها من السور التي فيها العجائب؛ لما جاء فيها من افتتاح الرسالة.
    [عطية سالم].

    في قوله تعالى:
    {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إشارة إلى أن مركز القوة والحضارة والتقدم انتقل -من خلال الرؤية الإسلامية- من القوة المالية والبدنية إلى العلم والمعرفة.
    [أ.د. عبدالكريم بكار].

    {اقْرَأْ} أول كلمة نزلت، تأمل في دلالتها، وحروفها: قراءة، ورقي، ورقية، فالقراءة: بوابة العلم وهو رقي ورفعة: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}[المجادلة: ١١]، ويوم القيامة يقال: "اقرأ وارق".
    وهو أيضا رقية وشفاء.
    فما أعجب هذا القرآن!
    أربعة أحرف حوت سعادة الدارين.
    [أ.د. ناصر العمر].

    من تدبر القرآن تبين له أن الرب العظيم يذكر عباده كثيرا بنعمة الخلق والإيجاد، وأن تذكر هذه النعمة، يثمر ثمرات جليلة، منها: استحقاق الخالق عز وجل للعبادة بجميع أنواعها، والإيمان بالبعث والنشأة الآخرة، وإثبات حكمة الله وعلمه في شرعه وقدره، ولزوم التواضع وترك الكبر؛ ولعل هذا من أسرار بدء الوحي بقوله تعالى:
    {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}.
    [د. محمد القحطاني].

    من لطائف اسم الربوبية (رب): أنه يظهر في بداية الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم:
    {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}، ولموسى عليه السلام: {إني أنا ربك}[طه: ١٢].
    [د. مساعد الطيار].

    من أسرار التنصيص على صفة الخلق في قوله:
    {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}: أن ينبه الإنسان إلى أنه بهذا العلم (وهو القرآن) تكتمل في سرك وباطنك، كما كمل الله صورتك، فالذي كمل صورتك بخلقه، هو الذي أنزل القرآن لتكتمل به سيرتك، فما أسعد من جمع الله له بين: كمال الصورة، وجمال السيرة!
    [د. مصطفى البحياوي].

    {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى*أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى*إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}[العلق: ٦-٨].
    ومن الطغيان طغيان العلم، فالمرء قد يزداد عنده العلم حتى تكسبه تلك الزيادة طغيانا فيتعدى على غيره، ولا يسلك مع الناس سبيل الشرع في العدل في اللفظ؛ لأن من أراد أن يقيم الأقوال فهو قاض، والقاضي يجب عليه أن يحكم بالعدل؛ لا أن يحكم بالهوى.
    [صال آل الشيخ].

    من أخطر أسباب طغيان الإنسان: غناه وإقبال الدنيا عليه مع نسيانه ربه ولقائه.
    تأمل قول ربك:
    {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى*أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى*إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}، فمتى اجتمعت هذه الأسباب على العبد، فقد أحاط به الهلاك من كل جانب إن لم يتداركه ربه برحمته وتوفيقه.
    [د. محمد القحطاني].

    {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}[العلق: ١٤].
    يا لها من آية تخلع القلب، أيها المتمادي في المعاصي، أيها المقيم على الذنب العظيم، أيها الناسي لرب الناس: إن الله يرى!
    [د. عبد المحسن المطيري].

    {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}: آية تهز الوجدان، وتفعل في النفس ما لا تفعله سلطات الدنيا كلها، إنها تضبط النوازع، وتكبح الجماح، وتدعو إلى إحسان العمل، وكمال المراقبة، فما أجمل أن يستحضر كل أحد هذه الآية إذا امتدت عينه إلى خيانة، أو يده إلى حرام، أو سارت قدمه إلى سوء، وما أروع أن تكون هذه الآية نصب أعيننا إذا أردنا القيام بما أنيط بنا من عمل.
    [د. محمد الحمد].

    {كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}[العلق: ١٩].
    العلم النافع إنما هو العلم المقرب إلى الله، الباعث على مراقبة الله، أما ترى سورة العلم (سورة العلق) بدأت بالوسيلة:
    {اقْرَأْ}، وختمت بالغاية: {وَاقْتَرِبْ}، وبينهما جاء الدواء لكل أنواع الجهل: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}.
    [د. عصام العويد].



    •سورة القدر•

    سورة القدر على قصرها، إلا أنها تضمنت تعظيم هذه الليلة من عدة أوجه، منها:
    ١-نزول القرآن فيها.
    ٢-أنه تكرر فيها اسم الليلة ثلاث مرات، وفخم شأنها بالسؤال عنها
    {وَمَا أَدْرَاكَ}.
    ٣-مجيء
    {أَمْرٍ}،{سَلامٌ} بصيغة التنكير التي تدل على التعظيم.
    ٤-التنصيص على نزول الروح (وهو جبريل) مع أنه من جملة الملائكة.
    [التحرير والتنوير].

    {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}
    عظم القرآن من ثلاثة أوجه:
    ١-أن أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به دون غيره.
    ٢-أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة، والاستغناء عن التنبيه عليه.
    ٣-الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه.
    [الزمخشري].

    {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}
    كم طارت نفوس الصالحين شوقا لقيام هذه الليلة التي عظم الله قدرها!
    أليست هي التي نزل فيها أشرف كلام؟
    وجعلها الله خيرا من ألف شهر؟
    وفيها تتنزل ملائكة الله؟
    تا الله إن المتاجر فيها مع الله لهو الرابح..
    أليس من يحرم فضلها محروم؟
    [أ.د. عمر المقبل].

    {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}
    إذا كانت ساعات الليل -في هذه الليالي- نحوا من (١٠ ساعات)، فإن هذا يعني أن الساعة الواحدة تعادل أكثر من (٨ سنوات)، وأن الثانية الواحدة فقط تعادل نحوا من (٥٠يوما)، فيا لطول حسرة المفرطين!
    ويا أسفى على المتخلفين عن ركب المشمرين!
    [أ.د. عمر المقبل].

    كم من شرف عظيم تميزت به هذه الليلة؟
    شرف المنزل فيها، وشرف الزمان، وشرف العبادة، وشرف المتنزلين، وشرف العطاء بلا حدود، ومسك ذلك:
    {سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.
    [أ.د. ناصر العمر].

    {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}
    هل تدري كم تساوي ألف شهر في مقياس الساعات؟
    إنها تعادل ٧٢٠،٠٠٠ ساعة، أي أكثر من ٤٣،٢٠٠،٠٠٠ دقيقة، أي أن دقيقة من دقائق ليلة القدر في ليالينا هذه = ٧٠،٢٤٤ دقيقة في غيرها! فيا حسرة على المفرطين!
    قال ابن الجوزي:
    {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} والله ما يغلو في طلبها عشر، لا والله ولا شهر، لا والله ولا دهر!
    [التبصرة].
    علق العلامة السعدي على كلامه قائلا: وصدق رحمه الله، فلو أنفق الإنسان عمره في طلبها لما قدرها حق قدرها!

    سباق الزمن مع ليلة القدر:
    لو عرضت على أحدنا المساهمة في صفقة ربحها المضمون عشرة أضعاف، لركض إليها ركضا!
    فكيف يفرط أحدنا بصفقة الربح فيها مضاعف ألف مرة؟!
    {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} إن هذا لهو الغبن العظيم.
    [أ.د. عمر المقبل].

    {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}
    نزول الملائكة في الأرض عنوان على الرحمة والخير والبركة؛ ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيء، كان ذلك دليلا على أن هذا المكان الذي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلو من الخير والبركة، كالمكان الذي فيه صور محرمة.
    [ابن عثيمين].

    {سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}
    استدل بعضهم على أن ليلة القدر هي ( ليلة ٢٧) بأن كلمة {هِيَ} في سورة القدر تعد الكلمة (رقم ٢٧)، وهذا خطأ؛ ولو كان لما خفي على نبي الأمة وأصحابه وسلفه، وليس هو بمعهود العرب، ويخالف أدلة أخرى، وقد انتقده بعض العلماء كابن حزم.
    [ابن حزم].

    ذكرت ليلة القدر في سورة القدر خمس مرات، واشتملت على خمس فضائل: إنزال القرآن، وأنها خير من ألف شهر، وأن الملائكة والروح (جبريل) تتنزل فيها، وفيها يفرق كل أمر، وأنها سلام هي حتى مطلع الفجر، فهل نقدرها حق قدرها، ونعظمها كما عظم الله شأنها؟
    [د. محمد الربيعة].

    خص الله تعالى ليلة القدر بالتسمية، وأفردها بسورة كاملة، وذكر فيها خمس فضائل لها، ألا يستحق ذلك منا أن نفردها أيضا بعبادتنا، فنتفرغ من أشغالنا وأسواقنا ولهو العيد؟
    هي ليلة، فاحذر أن تتحسر فقريبا
    {مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.



    •سورة البينة•

    قال أبو هريرة رضي الله عنه: أتعجبون من منزلة الملائكة من الله؟
    والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك!
    واقرؤوا إن شئتم:
    {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}[البينة: ٧].
    [الدر المنثور].



    •سورة الزلزلة•

    {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا}
    قال محمد بن كعب القرظي: لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح ب(إذا زلزلت، والقارعة) لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما وأتفكر، أحب إلي من أن أهذ القرآن ليلتي هذا، أو قال: أنثره نثرا.
    [حلية الأولياء].

    قال أبو الدرداء رضي الله عنه: فلا تحقرن شيئا من الشر أن تتقيه، ولا شيئا من الخير أن تفعله؛ فإن الله يقول:
    {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
    [الدر المنثور].

    إياك أن تستصغر ذرات الطاعات؛ فالتضرع والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند الله أصلا، بل الاستغفار باللسان أيضا حسنة؛ إذ حركة اللسان بها عن غفلة خير من حركة اللسان في تلك الساعة بغيبة مسلم، أو فضول كلام، بل هو خير من السكوت، قال تعالى:
    {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}.
    [أبو حامد الغزالي].

    اندرجت المصالح كلها، دقها وجلها، قليلها وكبيرها، جليلها وخطيرها، في هاتين الآيتين:
    {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} و {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائ ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}[النحل: ٩٠].
    [العز بن عبد السلام].

    إذا كان الزارع يتعب نفسه في الحرث والبذر؛ أملا بيوم الحصاد، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، فازرعوا فيها من الصالحات؛ لتحصدوا ثمرتها حسنات يوم يقوم الحساب.
    {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}.
    [الطنطاوي].



    •سورة العاديات•

    {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}
    أقسم الله على شدة جحود الإنسان بالعاديات ضبحا، ومناسبة ذلك تذكير الجاحد بأن الخيل لا ينسى فضل مالكه عليه، فيورد نفسه المهالك لأجله؛ تقديرا لنعمة المنعم، فلا تكن البهيمة خيرا وأوفى منك أيها الإنسان.
    [د. محمد الخضيري].

    {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}[العاديات: ٦].
    •قال الفضيل بن عياض: الكنود: الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة، ويعامل الله على عقد عوض.
    [المحرر الوجيز].
    •قال قتادة والحسن رضي الله عنهما: الكنود: الكفور للنعمة.
    [الدر المنثور].
    وفي هذا تسلية للمرء إذا وجد قلة الوفاء من الخلق، فإذا كان جنس الإنسان كنودا جحودا لربه وهو الذي أوجده وأمده، وما به من نعمة فهي من الله؛ فكيف لا يكون فيه شيء من ذلك الجحود مع سائر الخلق وهم نظراؤه وأقرانه؟

    {أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ*وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}[العاديات: ٩-١٠].
    مناسبة الآيتين لبعضهما أن بعثرة ما في القبور إخراج للأجساد من بواطن الأرض، وتحصيل ما في الصدور إخراج لما تكنه فيها، فالبعثرة بعثرة ما في القبور عما تكنه الأرض، وهنا عما يكنه الصدر، والتناسب بينهما ظاهر.
    [ابن عثيمين].

    آه للمرائي من يوم:
    {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}.
    [ابن الجوزي].



    •سورة القارعة•

    سورة القارعة تحذرك من الأعمال التي تخسف بالموازين يوم القيامة: كالرياء والغيبة والنميمة.
    فإنك قد تأتي بأعمال صالحة تحبطها مثل تلك الأعمال.
    [د. عبد الرحمن الشهري].

    {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ*وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}
    إنما ضم بين حال الناس وبين حال الجبال، كأنه تعالى نبّه على أن تأثير تلك القرعة في الجبال هو أنها صارت كالعهن المنفوش، فكيف يكون حال الإنسان عند سماعها؟!
    فالويل ثم الويل لابن آدم إن لم تتداركه رحمة ربه!
    [الرازي].

    {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ*وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}، لو تصورتَ هذا المشهد، يخرج الناس من قبورهم على هذا الوجه، لتصورت أمرا عظيما لا نظير له!
    [ابن عثيمين].

    {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}
    في تدبري للقرآن وجدتُ أنّ تضمين شيء معنى شيء آخر يجمع له المعنيَين.. فـ
    {رَّاضِيَةٍ} بمعنى مرضيَّة تجمع للعِيشة رضاها هي، ورضا عايشِها بها.
    [د. صالح العايد].



    •سورة التكاثر•

    قال حمزة الكناني: خَرّجْتُ حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وسلم من نحو مئتي طريق؛ فداخلني لذلك من الفرح غير قليل، وأُعجبت بذلك، فرأيت يحيى بن معين في المنام، فقلت: يا أبا زكريا، خرّجتُ حديثا من مئتي طريق!
    فسكت عني ساعة، ثم قال: أخشى أن تدخل هذه تحت:
    {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}.
    [سير أعلام النبلاء].

    ثقافة "التكاثر" في عدد المصلين، والمشاهدين، والحاضرين، والحافظين والمشتركين... والتي نقلت الكثرة والقلة من كونها "نبضا" إلى كونها "معيارا" للنجاح والفشل، وقلبت "المتبوع" إلى "تابع"؛ جاءت:
    {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}؛ لتعرّي حقيقة هذه "اللهاية" والتي سيتلوها (علم اليقين)، فلقد تكرر لفظ (العلم) و (الرؤية) في التكاثر ست مرات!
    [د. عصام العويد].

    قال ميمون بن مهران: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ:
    {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}، فبكى، ثم قال يا ميمون! ما أرى المقابر إلا زيارة؛ ولابد للزائر أن يرجع إلى منزله في الجنة أو النار!
    [الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا].

    {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} إذا كانت الإقامة في القبر مجرد زيارة مع أنها قد تمتد آلاف السنين؛ فبم نصف إقامتنا في الدنيا التي لا تتجاوز عدد سنين؟
    تأمل
    {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين}[المؤمنون: ١١٣]،
    فيا طول حسرة المفرطين!
    [أ.د. ناصر العمر].

    يا من تتقلب في النعم، انتبه!
    {لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} هذا السؤال يعم الكافر والمؤمن، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة؛ وسؤال الكافر تقريع أن قابل نعم الدنيا بالكفر والمعصية.
    [الماوردي].

    {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} لما اشتغل الكفار بالتكاثر بنعيم الدنيا ولذاتها عن طاعة الله وشكره؛ سألهم عن هذا النعيم يوم القيامة؛ ليبين لهم أن ما ظنوه سببا لسعادتهم هو من أعظم أسباب شقائهم في الآخرة.
    [الرازي].

    {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}
    قال ابن تيمية رحمه الله: أي: عن الشكر على النعيم فيطالب العبد بأداء شكر الله على النعيم؛ فإن الله تعالى لا يعاقب على ما أباح وإنما يعاقب على ترك مأمور وفعل محذور.



    •سورة العصر•

    سورة العصر على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره والحمد لله الذي جعل كتابه كافيا عن كل ما سواه شافيا من كل داء هاديا إلى كل خير.
    [ابن القيم].

    الله قد أقسم بالعصر (الذي هو الزمان) على أن الإنسان لفي خسر، إشارة إلى أن هذه الخسارة تأتي حتما مع الزمان، وليست خسارة مال يعوض ولا خسارة حبيب ينسى، إنها خسارة الحياة نفسها.
    [الطنطاوي].

    تدبر سورة العصر:
    {وَالْعَصْرِ*إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} ثم استثنى من الخسران من اتصف بصفات أربع، فهم الرابحون، وليس من تلك الصفات تحقق نتائج ما يتواصون به من الحق، وإنما الغاية تواصيهم بذلك، وصبرهم على ما يصيبهم.
    وفقه هذه الحقيقة للانتصار من أعظم عوامل الثبات والاطراد والتفاؤل.
    [أ.د. ناصر العمر].

    أمران متلازمان:
    {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} لا بد من التواصي بالحق والصبر؛ فالتواصي بالحق بدون الصبر كما يفعله الذي يعبد الله على حرف، والتواصي بالصبر بدون الحق كقول الذين قالوا: {أن امشوا واصبروا على ءالهتكم}[ص: ٦]، كلاهما موجب للخسران.
    [ابن تيمية].



    •سورة الهمزة•

    {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}[الهمزة: ٣].
    فيها تصوير لشدة حبه للمال، حين يظن أن لا حياة له بلا مال؛ فلذلك يحفظه من النقصان ليبقى حيا، ومن كان كذلك استحق الوعيد بالويل في أول السورة؛ لأنه بهذا عبد للمال على الحقيقة، وفي الحديث الصحيح: "تعس عبد الدينار".
    [الرازي].

    الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى
    {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ*الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ}[الهمزة: ٦-٧].
    [الغزالي].

    {الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} لما كانت أفئدتهم محل الاعتقادات الباطلة، ومنطلق الهمز واللمز للمؤمنين، كان جزاؤها التحطيم والإحراق بنار الله الموقدة.
    وهذا هو الدواء الشافي تجاه كتب ومحفوظات أهل الأهواء بإتلافها وإحراقها وتأديب حامليها؛ حماية للأمة من شرها وشرهم.
    [أ.د. ناصر العمر].

    {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} أي: مغلقة الأبواب لا يرجى لهم فرج -عياذا بالله-!
    تأمل لو أن إنسانا كان في حجرة أو في سيارة، ثم اتقدت النيران فيها، وليس له مهرب ولا مخرج، ما حاله؟
    حسرة عظيمة لا يمكن أن يماثلها حسرة!
    والله تعالى أخبرنا بهذا لا لمجرد تلاوته، بل لنحذر من هذه الأوصاف الذميمة الواردة في هذه السورة (سورة الهمزة).
    [ابن عثيمين].



    •سورة الفيل•

    هذه السورة رد على الملحدين؛ كيف؟
    لأن الملحدين ذكروا في الزلال والرياح والصواعق -وسائر الأشياء التي عذب الله تعالى بها الأمم- أعذارا ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا تجرى فيها تلك الأعذار؛ لأنه ليس في شيء من الطبائع والحيل أن تقبل طير معها حجارة فتقصد قوما دون قوم فتقتلهم.
    [الرازي].

    إذا تدبرت سياق قصة أصحاب الفيل أدركت أن من أعظم الحكم في تولي الله الدفاع عن بيته ألا تكون للمشركين يد على بيته، ولا سابقة في حمايته، بحميتهم الجاهلية، حتى إذا ما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لهم سبب للاعتزاز بحماية بيت الله؛ ولذا ستفهم التعجب الذي بدئت به السورة:
    {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}.
    [في ظلال القرآن].

    لم يتكرر في القرآن ذكر إهلاك أصحاب الفيل كبقية القصص لوجهين:
    ١-أن هلاك أصحاب الفيل لم يكن لأجل تكذيب رسول من الله.
    ٢-أن لا يتخذ من المشركين غرورا بمكانة لهم عند الله كغرورهم بقولهم المحكي في قوله تعالى:
    {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر}[الحج: ١٩].
    [ابن عاشور].

    ما الحكمة من إهلاك أصحاب الفيل، وعدم إهلاك من يقصد الكعبة في آخر الزمان؟
    "لأن قصة أصحاب الفيل مقدمة لبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم التي يكون فيها تعظيم البيت، أما في آخر الزمان؛ فإن أهل البيت إذا أهانوه وأرادوا فيه بإلحاد بظلم، ولم يعرفوا قدره، حينئذ يسلط الله عليهم من يهدمه؛ حتى لا يبقى على وجه الأرض".
    [ابن عثيمين].

    قف متدبرا لهذه الآية:
    {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} ففيها تبكيت لكفار مكة، وإيماء إلى عجز آلهتهم عن الدفاع عن الكعبة عندما جاء أبرهة لهدمها، فالذي حماها هو ربك وليست أربابهم، فأي آلهة تلك التي لا تدافع عن البيت العظيم، بل ولا عن نفسها ومن يعبدها!
    فالأجدر أن يقال لهم ولها كما قال إبراهيم:
    {أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}[الأنبياء: ٦٧].
    [أ.د. ناصر العمر].

    {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ}
    هذا منهج إلهي مطرد، وسنة ربانية جارية تجاه كل جبار ومفسد في الأرض.
    تدبر هذه الآيات وأمثالها تدرك حقيقة:
    {إن الله لا يصلح عمل المفسدين}[يونس: ٨١]،
    {وكذلك نجزي المفترين}[الأعراف: ١٥٢]، {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}[الأنبياء: ١٨].
    فلم الانهزام أمام الباطل؟
    {إن الباطل كان زهوقا}[الإسراء: ٨١].
    [أ.د. ناصر العمر].

    كم في هذه السورة من دلالة على قدرة الله وعظمته؟
    طيور صغيرة ألقت حجارة بحجم الحمصة على رجال، وأفيال عظيمة، فصارت إلى ما قاله الله:
    {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} أي: كزرع أكلته الدواب ووطئته بأقدامها حتى تفتت.
    [أ.د. عمر المقبل].

    تأمل هذا الأسلوب البديع:
    {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} فلم يقل: "كروث الدواب"؛ لنتعلم حسن الخطاب وأدب الألفاظ، وهو منهج مطرد في القرآن، كما في قصة امرأة العزيز: {ولقد همت به وهم بها}[يوسف: ٢٤]، فلنتدبر هذه الآيات وأمثالها ونلتزم بها؛ لنكون من أولئك الذين: {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا صراط الحميد}[الحج: ٢٤].
    [أ.د. ناصر العمر].



    •سورة قريش•

    {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ}
    ألف الله قريشا بنعم شتى، فحبس عنهم الفيل، وعطف عليهم قلوب الناس، وفتح لهم التجارة، وأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، ومع ذلك لم يستجب أكثرهم أول الأمر؛ فلا يتعجب الداعية إذا أعرض الناس عن الله مع نعمه عليهم.
    [زاد المسير].

    {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} ما سر تقديم الله تعالى تأليفه قريشا على الأمر بعبادته؟
    قال أهل العلم: إنما قدم للاهتمام به، إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله، وشكره على نعمه الكثيرة عليهم.
    [ابن عاشور].

    {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}، ولم يقل: فليعبدوا الله؛ لما يومئ إليه لفظ {رَبَّ} من استحقاقه الإفراد بالعبادة دون شريك.
    وأضيف
    {رَبَّ} إلى {هَذَا الْبَيْتِ} دون أن يقال: (ربهم) للإيماء إلى أن البيت هو أصل نعمة الإيلاف بأن أمر إبراهيم ببناء البيت الحرام، فكان سببا لرفعة شأنهم بين العرب.
    [ابن عاشور].

    تأمل كيف ربط بين السبب والمسبب في قوله:
    {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ*الَّذِي أَطْعَمَهُم} وهذا ظاهر في أول آية في المصحف: {الحمد لله رب العالمين}، والمعنى: أنه سبحانه مستحق للحمد؛ لأنه رب العالمين وخالقهم ورازقهم، وقرر هذا في أول نداء في المصحف: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم}، ثم بين السبب بقوله: {الذي خلقكم}[البقرة: ٢١].
    [عطية سالم].

    قال تعالى في سورة النمل:
    {رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء}، وقال هنا: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}؛ لأن السياق هنا لبيان عظمة البيت، بينما في "النمل" المقام مقام بيان عموم ملكه؛ لئلا يدعي المشركون أنه رب البلدة فقط.
    [ابن عثيمين].

    {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ*الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}
    الكريم يأسره المعروف، ويشكر الإحسان، ولذا قرن سبحانه الأمر بعبادته بذكره لنعمه؛ لتنقاد لذلك نفوس عباده.
    [عبد الله السكاكر].



    •سورة الماعون•

    {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ*فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}
    هذا إيذان بأن الإيمان بالبعث والجزاء هو الوازع الحق الذي يغرس في النفس جذور الإقبال على الأعمال الصالحة؛ حتى يصير ذلك لها خلقا إذا شبت عليه، فزكت وانساقت إلى الخير بدون كلفة، ولا احتياج إلى آمر، ولا إلى مخافة ممن يقيم عليه العقوبات حتى إذا اختلى بنفسه، وأمن الرقباء، جاء بالفحشاء والأعمال النكراء!
    [ابن عاشور].

    {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ*فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}
    الإيمان باليوم الآخر ليس اعتقادا مجردا، بل يحمل صاحبه على إطعام اليتيم والمسكين، كمن قال الله فيهم:
    {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}[الإنسان:٨]، وماذا يرجون؟ {إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا}.
    [عطية سالم].

    {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}
    سماهم مصلين، لكنهم ساهون عن فعلها، أو عن وقتها، أو عن أدائها بأركانها وشروطها، أو عن الخشوع وتدبر معانيها، فاللفظ يشمل هذا كله، من اتصف بشيء من ذلك، فله قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تم نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي.
    [ابن كثير].

    اعلم أرشدك الله لطاعته أن مقصود الصلاة وروحها ولبها هو إقبال القلب على الله تعالى فيها، فإذا صليت بلا قلب فهي كالجسد الذي لا روح فيه، ويدل على هذا قوله تعالى:
    {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}.
    [محمد بن عبد الوهاب].

    {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ}
    جمع هؤلاء: تكذيبا بالبعث وانتقاصا لحقوق ضعفة الخلق وتفرطا في الصلاة وشغفا بالدنيا جعلتهم يتعلقون بحقير الأواني.. وهم مع هذا يراءون، ولو فتشت، لوجدت أن أقل الناس عملا مثمرا لهم نصيب وافر من هذه الصفات أو بعضها.

    {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} يمنعون الناس منافع ما عندهم، من القليل والكثير، وإذا أريد بالماعون الإناء، فهم لما هو أعظم منه أشد منعا.
    [جامع البيان].



    •سورة الكوثر•

    أبانت سورة الكوثر -مع اختصارها- عن حقيقة الخير الكثير الذي لا يتحقق إلا بأمرين:
    ١-تتابع العطاء.
    ٢-دفع المنغصات.
    فالعاقل لا ينشغل في دينه أو دنياه بطلب الأول دون الثاني.
    [د. عصام العويد].

    تدبر ترتيب سورة الكوثر، تجد التسلسل العجيب!
    إذا أعطاك الله خيرا عظيما -وأعظمه هذا الدين- وسخرك لدعوة الناس إليه وتعليمهم إياه، فتفرغ لعبادة ربك العبادة الشاملة، ولا تلتفت إلى ما يكيده خصومك لك من أذى حسي ومعنوي، ولا تقلق بسبب ذلك؛ فعاقبتهم خسار وبوار
    {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}.
    [أ.د. ناصر العمر].

    {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}
    دلت الآية على أنه أعطاه الخير كله كاملا موفرا وإن نال منه بعض أمته شيئا كان ذلك الذي ناله ببركة اتباعه والاقتداء به.
    [ابن تيمية رحمه الله].

    {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}
    لا يُزهد في الدنيا شيء مثل تذكر نعيم الله تعالى، فأي شيء في الدنيا يُستعاض به عن الكوثر؟

    {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}
    ومن فوائد الالتفات -أي من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب- في الآية أنها دالة على أن ربك مستحق لذلك، وأنت جدير بأن تعبده وتنحر له.
    [ابن تيمية].

    لما ذكر الله منته على نبيه:
    {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، أمره بشكرها، فقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، وهو دليل على أن من أعظم صور الشكر: العمل -عمل القلب وعمل الجوارح- {اعملوا آل داود شكرا}[سبأ: ١٣].

    {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ*فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، النحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر، ولهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر، بالصلاة له والنحر، كما شرع ذلك لإبراهيم خليله عليه السلام عند أمره بذبح ولده، وافتدائه بذبح عظيم.
    [ابن رجب].

    {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} إنما خص هاتين العبادتين بالذكر؛ لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات، ولأن الصلاة تتضمن الخضوع في القلب والجوارح لله، وتنقلها في أنواع العبودية، وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر، وإخراج للمال الذي جبلت النفوس على محبته والشح به.
    [السعدي].

    {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} ولم يقل: فصل لنا؛ لما في لفظ الرب من الإيماء إلى استحقاقه العبادة لأجل ربوبيته فضلا عن فرط إنعامه.
    [ابن عاشور].

    لما كانت الصلاة والنحر أكثر العبادات التي يصرفها المشركون لأوثانهم، خُصَّتا بالذكر في قوله:
    {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، وأبرز مقصودهما وغايتهما: {لِرَبِّكَ}، ولذا لم يقل: فصل وانحر؛ ليستقر المعنى وهو: فصل لربك، وانحر لربك، وحده لا شريك له، مراغما المشركين الذين جعلوا صلاتهم ونحرهم لغير الله.
    [ابن عاشور].

    {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} أي: تقرب إليه بالنحر، والنحر يختص بالإبل، والذبح للبقر والغنم، لكنه ذكر النحر؛ لأن الإبل أنفع من غيرها بالنسبة للمساكين؛ ولهذا أهدى النبي صلى الله عليه وسلم في حجته مائة بعير، ونحر منها ٦٣ بيده، وأعطى علي بن أبي طالب الباقي فنحرها.
    [ابن عثيمين].

    {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} وصفه بكونه شانئا، كأنه -تعالى- يقول: هذا الذي يبغضك لا يقدر على شيء آخر سوى أنه يبغضك، والمبغض إذا عجز عن الإيذاء، فحينئذ يحترق قلبه غيظا وحسدا؛ فتصير تلك العداوة من أعظم أسباب حصول المحنة لذلك العدو.
    [الرازي].

    {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}
    من آثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة، فلولا أنه شانئ لما جاء به الرسول ما فعل ذلك، حتى إن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه! ويشتغل بقول فلان وفلان.
    [ابن تيمية].

    {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}
    من شنآنه صلى الله عليه وسلم بغض ما جاء به، وقد علق ابن تيمية على هذه الآية فقال: الحذر الحذر أيها الرجل، من أن تكره شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ترده لأجل هواك، أو انتصارا لمذهبك، أو لشيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات، أو بالدنيا، فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا طاعة رسوله.
    [ابن تيمية].

    {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} ولم يقل: إن شانئك أبتر، بل أبرز الضمير (هو) لإفادة الحصر، فكأنه لا مقطوع ولا مذموم سواه.
    وإذا كان شانئه صلى الله عليه وسلم داخلا في الآية دخولا أوليا، فإن شانئ سنته والداعين إليها له من ذلك نصيب بقدر بُغضِه وكرهه.
    [ابن عاشور].

    •سورة الكافرون•
    معرفة العلاقة بين كثير من السور المتتابعة في المصحف له أثر في التدبر، فسورة النصر بعد الكافرون يفيد بأن النصر ثمرة من ثمار الثبات على المبادئ دون أي تنازل
    {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}.
    وسورة قريش بعد الفيل فإهلاك من أراد بالكعبة شرا ونجاة قريش نعمة كبرى تقتضي أن
    {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}[قريش: ٣]، لا أن يعبدوا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع.
    [أ.د. ناصر العمر].

    سورتا الكافرون والإخلاص وردت قراءتهما مقترنتين في مواضع: مثل ركعتي الفجر، وجاءت فيهما فضائل، مثل كون الإخلاص تعدل ثلث القرآن، فكان تدبرهما حقا على كل قارئ.

    كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقرن بين سورة الكافرون والإخلاص في مواضع، ففي سورة الإخلاص: التوحيد القولي العلمي، وفي سورة الكافرون: التوحيد القصدي العملي:
    {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}، وبهذا يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره، وإن كان كلاهما يقر بأن الله رب كل شيء.
    [ابن تيمية رحمه الله].

    {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} في حالتي هذه، {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} في المستقبل، ففيه من قوة العبارة والثقة ما يقطع محاولاتهم بأن يتنازل عند دينه.
    [ابن كثير].

    {وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}: نزلت في أشخاص معينين، أي: لم تعبدوا الله في الحاضر، ولن تعبدوه في المستقبل، وهذا من علامات النبوة وصدق الوحي، فقد مات جميع هؤلاء على كفرهم دون أن يعبدوا الله.
    [أ.د. ناصر العمر].

    {وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}
    {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه}
    {لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا}
    {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا}

    عند تأمل هذه الآيات وأمثالها تجد أنها تتفق على حلول سخط الله بأقوام عصوه، فحال بين قلوبهم وبين الهداية:
    {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}؛ فلنستجب له قبل فوات الأوان.

    كنت في الهند ومعي صديقي فدخلنا سوقا شعبيا كبيرا ينتشر فيه بيع الأصنام، بدأت أتأمل في هذا المنظر، وإذ بلساني ينطق:
    {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ*لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} إلى نهاية السورة، وكأني لأول مرة أقرأها، ولم أزل أرددها وكأني أحدثهم، حتى خرجنا من هذا السوق، أما صديقي فهو مستمر في البكاء من عظمة هذا الموقف.
    [متدبر].



    •سورة النصر•

    فسر بعض الصحابة من جلساء عمر رضي الله عنه من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره ونسبحه -يعني: نصلي ونستغفر- وهو معنى مليح صحيح، وثبت له شاهد من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات.
    [ابن كثير].

    وجه استنباط ابن عباس من أن سورة النصر فيها إشارة إلى أجل النبي صلى الله عليه وسلم: أن حياته فاضلة، وقد عهد أن الأمور الفاضلة تختم بالاستغفار، كالصلاة والحج، فأمر الله لرسوله بالحمد والاستغفار -في هذه الحال- إشارة إلى أن أجله قد انتهى؛ لذا كان صلى الله عليه وسلم يكثر من التسبيح والحمد في صلاته.
    [السعدي].

    رسالة للدعاة الذين يقبضون ثمن نجاحهم!
    فسر عمر وابن عباس رضي الله عنهما سورة النصر بأجل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أسرار ذلك -والله أعلم-: أن الانتصار تعقبه غنائم جمة؛ فحتى لا يتعجل شيئا من غنيمة الدنيا المتحققة تلقائيا، توفاه قبل أن يتنعم بشيء من مكاسب الانتصار الدنيوية.
    [أ.د. ناصر العمر].

    {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}
    عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، يتأول القرآن، والمعنى: أنه يفعل ما أمره القرآن به، وهذا من التدبر العملي.

    {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ } جمع بين التسبيح والاستغفار؛ إذ في الاستغفار محو الذنوب، وفي التسبيح طلب الكمال.
    [د. عبد المحسن المطيري].

    كم بين قوله تعالى:
    {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}، وقوله: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}؟ إنها سنوات قليلة لا تساوي شيئا في أعمار الأجيال.
    [متدبرة].



    •سورة المسد•

    {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}: فيها أن الأنساب لا عبرة بها، بل صاحب الشرف يكون ذمه على تخلفه عن الواجب أعظم، كما قال تعالى: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا}[الأحزاب: ٣٠].
    [ابن تيمية].

    {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}: قيلت هذه الآية لما ادعى أبو لهب أنه سيفتدي من العذاب بماله وولده، كما قال ابن عمه: {لأوتين مالا وولدا}[مريم: ٧٧]، فقيل له: {ونرثه ما يقول ويأتينا فردا}[مريم: ٨]، فسبحان الله!
    تأمل كيف تشابهت قلوب أعداء الرسل في اغترارهم بأموالهم وأولادهم.
    [متدبر].

    في هذه السورة دليل على النبوة، فإنه نزل قوله تعالى:
    {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ}، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لا ظاهرا ولا باطنا، ولا سرا ولا علنا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة.
    [ابن كثير].
    * وقد كان تأمل هذا المعنى سببا في إسلام أحد العلماء الأمريكان.
    {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}: فيه عبرة لكل متعاونين على الإثم، أو على إثم ما، أو عدوان ما.
    [ابن تيمية].

    {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}
    :إنها المرأة حين تعين زوجها على كفره وعناده؛ ولذا ستكون عونا عليه في عذابه في نار جنهم!
    قارن هذا بحال خديجة، فإنها لما هيأت بيتا هادئا هانئا لزوجها صلى الله عليه وسلم، بشرت ببيت في الجنة، لا صخب فيه ولا نصب، فما أعظم أثر المرأة في حياة زوجها.
    [ابن كثير].

    روي أن أم جميل -امرأة أبي لهب- باعت "عقدا" لها ثمنه ١٠٠٠٠ درهم أنفقتها في الباطل، فكان الجزاء
    {حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} في جيدها؛ أي: في نفس موضع العقد، فالذي يهدي نار السجائر للناس من حوله أما فكر لحظة في نوع الهداية التي يتلقاها فمه يوم القيامة؟!
    [د. عصام العويد].

    تأمل في قوله تعالى:
    {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} إذ جعل لامرأة أبي لهب وعيدا موافقا لفعلها في الدنيا، حيث ستحمل ما يوقد به على زوجها الذي أطاعته في الصد عن الدين وأذية الدعاة إليه.
    ومن عظيم الخزي لهما أن جعل شدة عذاب الزوج على يد أحب الناس إليه، وأن جعلها سببا لعذاب أعز الناس عليها.
    [د. محمد العواجي].



    •سورة الإخلاص•

    حاول بعض الفصحاء والبلغاء في الأندلس أن ينظم شيئا يشبه القرآن، فنظر في سورة (الإخلاص)؛ ليحذو على مثالها وينسج -بزعمه- على منوالها، قال: فاعترتني خشية ورقة؛ حملتني على التوبة والإنابة.

    سورة الإخلاص ثلث القرآن كما صح الحديث؛ لأن علوم القرآن ثلاثة: توحيد، وأحكام، وقصص؛ وقد اشتملت هذه السورة على تقرير التوحيد تمام التقرير؛ فهي ثلث القرآن.
    [ابن جزي].

    هل تحفظ سورة الإخلاص والمعوذات حقا؟
    إن الذي لا يكابد منزلة الإخلاص، ولا يجاهد نفسه على حصنها المنيع، ولا يتخلق بمقام توحيد الله في كل شيء رغبا ورهبا؛ فليس بحافظ حقا لسورة الإخلاص!
    وإن الذي لا يذوق طعم الأمان عند الدخول في حمى "المعوذتين"، لا يكون قد اكتسب سورتي الفلق والناس!
    [د. فريد الأنصاري].

    سورة الكافرون فيها توحيد العبادة، وسورة الصمد فيها توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتسميان سورتي الإخلاص؛ ولذا تشرع قراءتهما في أول اليوم في سنة الفجر وفي ركعتي الطواف، وفي آخر الوتر؛ تحقيقا للتوحيد وتجديدا له.
    [د. محمد الخضيري].

    الحج كله توحيد!
    ألا ترى أن الحاج يفتتح حجه ب"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك" ويختمه بركعتي طواف الوداع التي يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص والتوحيد، وأفضل ما يقوله الواقفون بعرفة كلمة التوحيد، وهذا من أبلغ ما يكون في بيان علاقة الحج بالتوحيد.
    [د. محمد الخضيري].

    {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ}
    ربما ظن بعضهم أن السياق أن يقول: (هو الله الأحد الصمد)، ولكنها فصلت عن التي قبلها؛ لأن هذه الجملة مسوقة لتستقر في النفوس ولتعظم، فكانت جديرة بأن تكون كل جملة مستقلة بذاتها.
    [ابن عاشور].

    {اللَّهُ الصَّمَدُ}؛ أي: الذي يصمد إليه في الأمور، ويستقل بها.
    {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}؛ أي: لا مثل له.
    فهل لنا أن يكون الله تعالى -الذي لا مثل له- أول من نلتفت إليه في كل حاجة نحتاجها، في شدة، أو رخاء، أو رغبة، أو رهبة؟

    {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} فيها رد على أكثر فرق الضلالة، وعلى رأسهم اليهود الذين يقولون: عزير ابن الله، والنصارى الذين يقولون: المسيح ابن الله، وغيرهم من فرق الضلال.
    [السيوطي].



    •سورة الفلق•

    اشتملت سورتا الفلق و الناس على ثلاثة أصول للاستعاذة:
    أ- نفس الاستعاذة.
    ب- المستعاذ به.
    ج- المستعاذ منه.
    فبمعرفة ذلك تعرف شدة الضرورة إلى هاتين السورتين، وأن حاجة العبد إليهما أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس.
    [ابن القيم].

    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِن شَرِّ مَا خَلَقَ}
    في الاستعاذة بهذه الصفة تفاؤل، وتذكير بالنور بعد الظلمة، والسعة بعد الضيق، والفرج بعد الانغلاق، والفلق كل ما يفلقه الله تعالى، كالنبات من الأرض، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحبو النوى وغير ذلك، وكله مما يوحي بالفرج المشرق العجيب.
    [أبو السعود العمادي].

    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} والفلق هو: النور الذي يزيل الظلام {فالق الإصباح}[الأنعام: ٩٦].
    فهذا المطلع القوي يفيد التفاؤل عند مواجهة الأمور العظيمة، كهذه الشرور المذكورة في السورة.
    كما أنها تضمنت شرورا تقع غالبا في الليل، فقابلها بالنور الذي يفلقها ويزيل أثرها كما يزيل الصبح أثر الظلام.
    [أ.د. ناصر العمر].

    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} كثيرون يقرؤونها وهم يستحضرون في أذهانهم شرور غيرهم، بينما الواجب أن يستحضروا التعوذ من شرور أنفسهم ابتداء، كما في خطبة الحاجة: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا"، وحديث: "أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه"؛ فقدم شر نفسه على شر الشيطان.
    [أ.د. ناصر العمر].

    ما أعظم الاستعاذة بهذه الصفة العظيمة (رب الفلق)، وما تشتمل عليه من قوة وغلبة وسلطان على ظلمات الشرور والسحرة والحاسدين.
    وتأمل لفظة الفلق وما يقابلها من انغلاق الليل، وانغلاق عقد السحرة، وانغلاق قلوب الحاسدين.
    [متدبر].

    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِن شَرِّ مَا خَلَقَ}
    هل رأيت شيئا يبعث الطمأنينة والأمن من الشرور مثل هذا؟
    إنك لا تستعيذ من شيء بأعظم من الذي خلقه.

    {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}أي: الليل إذا دخل، ومن تأمل أنواع الشرور، وجد أكثرها في الليل، وفيه انتشار الشياطين، وأهل الغفلة والبطالة، فحري بالمسلم اغتنامه بالعبادة، وتجنب السهر فيما لا ينفع، وخصوصا في الأسواق ونحوها.
    [عطية سالم].

    {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} غاسق هو الليل، وقد أمر الله بالاستعاذة من شر ما خلق، وإنما خص الليل؛ لأن أكثر المعاصي تقع في الليل، وأكثر السرقات في الليل، والهوام تخرج في الليل، والشياطين تنتشر في الليل، وهنا معنى لطيف ذكره العلماء: أن السحر أكثر ما يكون تأثيره على الإنسان في الليل.
    [د. عمر العيد].

    {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ*وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}
    اقتران الحسد بالسحر هنا يشير إلى وجود علاقة بين كل من السحر والحسد، وأقل ما يكون هو التأثير الخفي الذي يكون من الساحر بالسحر، ومن الحاسد بالحسد، مع الاشتراك في عموم الضرر، فكلاهما إيقاع ضرر في خفاء، وكلاهما منهي عنه.
    [عطية سالم].

    العائن حاسد خاص، وهو أضر من الحاسد؛ ولهذا جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن؛ لأنه أعم، فكل عائن حاسد ولا بد، وليس كل كل حاسد عائنا، فإذا استعاذ العبد من شر الحسد دخل فيه العين، وهذا من شمول القرآن الكريم وإعجاز بلاغته.

    اقترن الحاسد والساحر في السورة؛ لأن مقصدهما الشر للناس، والشيطان يقارن الساحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبهما، ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشياطين، وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ويستعينه؛ فلهذا -والله أعلم- قرن في السورة بين شر الحاسد وشر الساحر؛ لأن الاستعاذة من شر هذين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن، فالحسد من شياطين الإنس والجن، والسحر من النوعين، وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن وهو الوسوسة في القلب، فذكره في سورة الناس.
    [عطية سالم].



    •سورة الناس•

    ذكر الله تعالى في سورة الناس صفة الألوهية والربوبية والملك، كما ذكرها في سورة الفاتحة:
    {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، ومن اللطائف: أنهما أول سورة وآخر سورة؛ فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بمعاني هذه الصفات.
    [محمد بن عبد الوهاب].

    عدد أحرف سورتي الفلق والناس (١٥٣) حرفا فقط، وعدد أحرف سورتي هود ويوسف (١٤٧٨١) حرفا، ومع هذا فالمعوذتان أفضل بنص الحديث الصحيح، كتاب ربنا كتاب معاني، ومع هذا ما زال بعضنا يركض في حفظه وتلاوته يستكثر الحسنات في غفلة عن المعاني العظيمة.
    [د.عصام العويد].

    في سورة الفلق يستعيذ القارئ بصفة الربوبية مرة واحدة من أربعة أشياء، بينما يستعيذ في سورة الناس بثلاث صفات لله جل وعلا من شر شيء واحد -وهو الشيطان-، وما ذاك إلا لشدة خطر الشيطان، فهلا استشعرنا عظمة صفات ربنا ونحن نستعيذ به من عدونا؟
    [ابن كثير].

    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}
    من المعلوم أن الله رب جميع الخلائق، وإنما قال رب الناس مع أنه رب جميع مخلوقاته؛ للدلالة على شرفهم، ولكون الاستعاذة وقعت من شر ما يوسوس في صدورهم.
    [الشوكاني].

    {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ*الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ*مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}
    قال قتادة رحمه الله: إن من الناس شياطين، فنعوذ بالله من شياطين الإنس والجن.
    [الدر المنثور].

    قال العلامة ابن باديس: والسر في التعبير ب:
    {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}، بدلا من (قلوب الناس)؛ لأن القلب مجلى العقل، ومقر الإيمان، وقد يكون محصنا بالإيمان فلا يستطيع الوسواس أن يظهره، ولا يستطيع له نقبا.
    [تفسير ابن باديس].

    {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ*مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} بين الله تعالى نوع الموسوس، بأنهم من الجنة والناس؛ لأنه ربما غاب عن البال أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين، وهو وسوسة الناس، وهو أشد خطرا، وهم بالتعوذ منهم أجدر؛ لأنهم منهم أقرب وهو عليهم أخطر، وأنهم في وسائل الضر أدخل وأقدر.
    [ابن عاشور].

    {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}
    علق الوسوسة هنا بالصدر، الذي هو موضع القلب، وهو محل العقل والتقوى والصلاح والفساد، فحري بالعبد أن يطهر قلبه، وما تطهرت القلوب بمثل ذكر الله، وتدبر كتابه، والإخلاص له، والتوبة إليه.
    [عطيه سالم].
    •••





    ..
    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..


  3. #53
    عضو نشيط الصورة الرمزية أم عفاف
    تاريخ التسجيل
    Sep 2013
    المشاركات
    60

    افتراضي تدبرات سورة النساء..






    ..تدبرات سورة النساء..






    بسم الله الرحمن الرحيم..




    •قال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة.



    •مقصد السورة:
    تنظيم المجتمع المسلم من داخله من خلال حفظ الحقوق الاجتماعية والمالية، إزالة لرواسب الجاهلية وتركيزا على حقوق النساء والضعفاء.

    ,,

    سميت سورة النساء بهذا الاسم؛ لذكر النساء فيها وهي -كما هو معلوم- مبتدأة بأصل خلقة بني آدم من أين خلقوا، ثم ذكر الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير هذا، ثم ذكر ما يتعلق بالنكاح لأن النكاح صلة بين الناس كما أن القرابة صلة بين الناس، كما قال الله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا}[الفرقان: ٥٤]، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، وما يتعلق كذلك بأحوال النزاع بين الزوجين كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى.

    [تفسير ابن عثيمين رحمه الله].






    تدبرات سورة النساء..



    [جميعها مقتبسة من مجموعة ليدبرا آياته].


    ..

    في سورة النساء لطيفة عجيبة، وهي أن أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله تعالى؛ لقوله:
    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وهذان الوصفان -العلم والقدرة- بهما تثبت الربوبية والألوهية والجلال والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعا للأوامر والنواهي، منقادا للتكاليف.

    [ابن عادل الحنبلي].

    ..

    طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام هي علاقة تكاملية لا تنافسية، فحواء لم تخلق كما خلق آدم، بل خلقت منه
    {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، فإن ظلمها؛ فإنما يظلم قلبه، وإن نشزت واسترجلت، فما أبشعه من منظر!!

    [د. عصام العويد].

    ..

    في أول سورة -النساء- قال تعالى:
    {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، وفسرها الحديث الصحيح: "إن المرأة خلقت من ضلع"، وهو ضلع الصدر، وهذا فيه إشارة ظاهرة إلى طبيعة التكامل بين الرجل والمرأة، فالمرأة خلقت من الرجل ومن ضلعه تحديدا لا ليخنقها؛ بل ليعطف عليها بجناحه حبا وحماية لها كما يفعل بأضلاع صدره، وهي كذلك لتبقى في محلها؛ فإن نشوز عظم الصدر مؤلم، بل ترق وتلين له كما الضلع في رقته ولينه.

    [د. عصام العويد].

    ..

    {وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} قرن الله الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها؛ ليؤكد هذا الحق، وأنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق، خصوصا الأقربين منهم، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به.

    [السعدي رحمه الله].

    ..

    {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا}
    [النساء: ٤]، لو تدبر هذه الآية أولئك الذين يأخذون أموال الضعفة ممن تحت أيديهم، وبدون طيبة أنفس منهم -وإن أذنوا ظاهرا-؛ لعلموا أنهم ربما أكلوه غصة فأعقبهم وبالا.

    ..

    {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ}[النساء: ٥]، إن أمة تنفق مئات الملايين في الشهر على اللهو والدخان، وتنفق مثلها على المحرمات، وتنفق مثلها على البدع الضارة، وتنفق أمثال ذلك كله على الكماليات التي تنقص الحياة، ولا تزيد فيها، ثم تدعي الفقر إذا دعاها الداعي لما يحييها، لأمة كاذبة على الله، سفيهة في تصرفاتها.

    [محمد البشير الإبراهيمي].

    ..

    {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}
    ولم يقل: (أموالهم) مع أنها أموال السفهاء؛ لقوله بعده: {فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} فأضافها إليهم حين صاروا رشداء.

    [ابن عاشور].

    ..

    {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا}

    إنما قال:
    {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} ولم يقل: (منها)؛ لأن {فِيهَا} يقتضي بقاءها بالتنمية والتجارة حتى تكون محلا للرزق والكسوة.

    [ابن عجيبة الفاسي].

    ..

    {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا}
    [النساء: ٦].
    إنما قال:
    {حَسِيبًا} ولم يقل: شهيدا مع مناسبته؛ تهديدا للأوصياء لئلا يكتموا شيئا من مال اليتامى، فإذا علموا أن الله يحاسبهم على النقير والقطمير، ويعاقبهم عليه؛ انزجروا عن الكتمان.

    [ابن عجيبة الفاسي].

    ..

    {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا}
    [النساء: ٧].
    الحكمة من قوله:
    {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} لعل أحدا يتوهم أن النساء والولدان ليس لهم نصيب إلا من المال الكثير، فأزال ذلك بقوله: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ}، فتبارك الله أحسن الحاكمين.

    [السعدي رحمه الله].

    ..

    {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا}
    [النساء: ٨].
    يؤخذ من هذا المعنى، أن كل من تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر.

    [السعدي رحمه الله].

    ..

    استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى:
    {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}[النساء: ١١]، أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح.

    [تفسير القرآن العظيم].

    ..

    {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ}..
    إنما قال:
    {فِي أَوْلادِكُمْ} ولم يقل: (أبنائكم)؛ لأن الابن يقع على الابن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى الابن المتبنى، وليسوا من الورثة.

    [ابن عجيبة الفاسي].

    ..

    {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}
    [النساء: ١٢]، تأمل تعليقه سبحانه التوارث بلفظ الزوجة دون المرأة؛ إيذانا بأن هذا التوارث إنما يقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث، وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين.

    [ابن القيم رحمه الله].

    ..

    من أقبح الخلال: تعنيف المذنبين والمخطئين بعد اعترافهم وتوبتهم، وقد يدعوهم ذلك إلى معاودة الذنب أو الخطأ
    {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}[النساء: ١٦].

    [د. محمد الخضيري].

    ..

    {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}[النساء: ١٧]
    فكل من يعمل السوء لا بد أن يكون جاهلا: فإما أن يجهل ما فيه من القبح والضرر، وإما أن يجهل سوء عاقبته وقبح تأثيره في نفسه، وما يترتب على ذلك من سخط ربه وعقابه؛ ذهابا مع الأماني واغترارا بتأول النصوص.

    [رشيد رضا].

    ..

    وقت التوبة:
    {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ}[النساء: ١٧]، قال ابن عباس رضي الله عنه: "قبل المرض والموت".
    علق ابن رجب رحمه الله: "هذه إشارة إلى أن أفضل أوقات التوبة، هو أن يبادر الإنسان بها حال صحته قبل نزول المرض به؛ حتى يتمكن حينئذ من العمل الصالح".

    [تفسير ابن رجب].

    ..

    لا يقر الخطأ، سواء في جاهلية أو إسلام، وانظر كيف جمع بين ذكر خطأين في سياق واحد:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا}[النساء: ١٩]، وهذا من أفعال الجاهلية: كانوا يرثون المرأة كالمتاع، ثم قال: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} أي: لا تمنعوهن التزويج، وهذا يقع من أهل الجاهلية، وأهل الإسلام.

    [د. محمد الخضيري].

    ..

    {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}
    [النساء: ١٩]..
    أي: ينبغي -أيها الأزواج- أن تمسكوا زوجاتكم ولو مع الكراهة؛ فإن في ذلك خيرا كثيرا، من ذلك:
    ١- امتثال أمر الله، وقبول وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة.
    ٢- أن إجباره نفسه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة.
    ٣- وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك.
    ٤- وربما رزق منها ولدا صالحا نفع والديه في الدنيا والآخرة. وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور.

    [السعدي رحمه الله].

    ..

    قوله:
    {الَّلاتِي فِي حُجُورِكُم}[النساء: ٢٣]، قيد خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإن الربيبة تحرم ولو لم تكن في حجره ولكن للتقييد بذلك فائدتان:
    إحداهما: فيه التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة، وأنها كانت بمنزلة البنت؛ فمن المستقبح إباحتها.
    والثانية: فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة، وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن.
    والله أعلم.

    [السعدي رحمه الله].

    ..

    من علوم التفسير المعينة على التدبر: علم الوجوه والنظائر، وهو: معرفة معاني الكلمة في سياقات مختلفة، انظر إلى قوله:
    {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ}[النساء: ٢٥]، ف: {الْمُحْصَنَاتِ} بمعنى: الحرائر، و{مُحْصَنَاتٍ} بمعنى: عفيفات، و{أُحْصِنَّ} بمعنى: تزوجن.

    [د.محمد الخضيري].

    ..

    {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا}
    [النساء: ٢٧].
    ما رأيت تاريخا صنعته الشهوات والملذات!
    ولكن دعاة الشهوات والملذات عندنا يزعمون أنهم يصنعون تاريخنا الحديث، فهل هم جاهلون؟ أم متآمرون؟ أم جمعوا بين الجهل والتآمر؟

    [د. مصطفى السباعي].

    ..

    السفور والحسور والتكشف والموضات، وكشف النساء العورات، وسلوك الشباب سبيل الفساد، كل ذلك قنابل للعدو تتساقط علينا، وتهدم كياننا، وتصدع بنياننا، وتذهب قوانا، فهل نكون من غفلتنا عونا للعدو على أنفسنا؟!

    [علي الطنطاوي].

    ..

    لن يكتفي أتباع الشهوات بما يسوغ الخلاف فيه؛ حتى يجنحوا بالأمة إلى ما لا خلاف على تحريمه:
    {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا}[النساء: ٢٧].

    [د. عبد الله السكاكر].

    ..

    { وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا}[النساء: ٢٧]،
    هذا بيان صريح من الذي يعلم السر وأخفى -سبحانه- أن هذا الصنف من الناس -سواء كانوا صحفيين، أو كتابا، أو روائيين، أو أصحاب قنوات هابطة- يريدون يميلوا بالأمة ميلا، وأكد هذا الميل بأنه عظيم، إذ لا تكفيهم مشاريع الإغواء الصغيرة.

    [د. عبد المحسن المطيري].

    ..

    كلما رأيت إصرار أصحاب مشاريع إفساد المجتمع على تحقيق مشاريعهم -رغم العقبات التي في طريقهم- تعجبت!
    لكن آيتين كشفتا سر ذلك:
    {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ}،{إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة}[النور: ١٩]، فحققوا (المحبة) الدافعة ل(قوة الإرادة)؛ فأثمرتا الإصرار: {امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد}[ص:٦]، فأين المصلحون من ذلك؟

    [أ.د ناصر العمر].

    ..

    سئل سفيان الثوري عن قوله تعالى:
    {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}[النساء: ٢٨]، ما ضعفه؟ قال: المرأة تمر بالرجل، فلا يملك نفسه عن النظر إليها، ولا هو ينتفع بها؛ فأي شيء أضعف من هذا؟

    [حلية الأولياء].

    ..

    في قوله تعالى:
    {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}[النساء: ٢٨]، بيان لضعف الإنسان الجبلي، وفيه إرشاد له بألا يغرر بنفسه فيلقي بها في مواطن الشهوات؛ ثقة بعلمه ودينه، فمن حام حول الحمى أوشك أن يرتع فيه.

    [د. محمد الحمد].

    ..

    ضعف الرجل بين في أمر النساء؛ ولذا لما ذكر النكاح والشهوة والإحسان وحد الزنى في سورة النساء؛ ختمها بقوله:
    {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}[النساء: ٢٨]، فعلى المتعفف الخائف على دينه أن لا يستهين بأمرهن، ولا يدنو من فتنتهن؛ ثقة برجولته، وتمام عقله، وكمال عفته! فكم من متعثر غرته التجربة، وغره بالله الغرور!

    [د. محمد الخضيري].

    ..

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}
    [النساء: ٢٩].

    {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، ورحمته ليست خاصة بإزهاق الروح بدون حق، بل إن من أعظم الرحمة به: حمايته مما سيلاقيه قاتل نفسه من عذاب شديد: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا}[النساء: ٣٠].. ومن قتل أخاه بدون حق فقد قتل نفسه؛ فجريرة قتله سترجع إليه، فهل يعي ذلك من ولغوا في دماء إخوانهم إخوانهم المجاهدين في الشام ظلما وعدوانا؟!

    [أ.د. ناصر العمر].

    ..

    {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[النساء: ٣٢]

    إذا منع الله عباده المؤمنين شيئا تتعلق به إرادتهم؛ فتح لهم بابا أنفع لهم منه وأسهل وأولى، وهذا من لطفه، فنهاهم عن تمني ما ليس بنافع، وفتح لهم أبواب الفضل والإحسان، وأمرهم أن يسألوه بلسان الحال.

    [السعدي رحمه الله].

    ..

    {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[النساء: ٣٢]،.
    فإذا كان هذا النهي -بنص القرآن- عن مجرد التمني، فكيف بمن ينكر الفوارق الشرعية بين الرجل والمرأة، وينادي بإلغائها، ويطالب بالمساواة، ويدعو إليها باسم المساواة بين الرجل والمرأة؟

    [د. بكر أبو زيد].

    ..

    من تمنى شيئا مباحا من أمر دنياه وآخرته، فليكن فزعه فيه إلى الله عز وجل، ومسألته منه، وإن عظمت أمنيته،
    {وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ}.

    [البغوي].

    ..

    {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}[النساء: ٣٤].

    {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ} القنوت هنا هو المداومة على طاعة الزوج؛ فالسياق كله في العلاقة بين الخليلين: الزوج والزوجة، ومن سبر واقع حياة الناس، وجد أن أسعد النساء قلبا هي الطيِّعة السهلة، وأنكدهن عيشا هي الشرسة المعاندة.

    [د. عصام العويد].

    ..

    تهديد للرجال!
    {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}[النساء: ٣٤].
    هكذا ختمت آية النشوز، التي تهدد الرجال من ظلم نسائهم، فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الإنصاف منكم؛ فالله علي كبير، قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فختم الآية بهذين الاسمين فيه تمام المناسبة.

    [القاسمي].

    ..

    {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}[النساء: ٣٤].
    ختم الآية بهذه الجملة؛ للتحذير من التعالي على النساء، ولإشعار الرجل بعلو الله عليه، فلا يتعالى ولا يتكبر، ففوقه من هو أعلى وأكبر منه وهو الله عز وجل.

    [ابن عثيمين رحمه الله].

    ..

    لما ذكر الله قوامة الرجل على المرأة، وحق الزوج في تأديب امرأته الناشز، ختم الآية بقولة:
    {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}[النساء: ٣٤]، فذكر بعلوه وكبريائه جل جلاله ترهيبا للرجال؛ لئلا يعتدوا على النساء، ويتعدوا حدود الله التي أمر بها.

    [د. محمد الخضيري].

    ..

    ختم الله آية الإصلاح بين الزوجين بقوله:
    {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}[النساء: ٣٤]،فإن تذكر علو الله وكبره، من أعظم ما يردع عن ظلم الزوجات، وبخس حقوقهن.

    [متدبر].

    ..

    {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[النساء: ٣٥].
    أصلح إرادتك:
    {إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}، ننال من التوفيق في حياتنا بقدر ما فينا من رغبة الإصلاح.

    [د. عبد الله بلقاسم].

    ..

    {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا}[النساء: ٣٦].

    ذكر الله المأمورين بالإحسان إليهم، وقال:
    {وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ}، وهذا يعم كل مصاحب، وفسره طائفة بالرفيق في السفر، ولم يريدوا إخراج الصاحب الملازم في الحضر، وإنما أرادوا أن مجرد صحبة السفر -على قصرها- تكفي؛ فالصحبة الدائمة في الحضر أولى. [ابن رجب].

    فلنتفقد أحوالنا مع صاحب الدراسة والوظيفة والحلقة، وأعظم من ذلك: صحبة البيت من والدين وزوجة وقربى.

    ..

    قال عبد الله بن واقد: لا تجد سيئ المَلكة إلا وجدته مختالا فخورا، وتلا:
    {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا}[النساء: ٣٦]، ولا عاقا إلا وجدته جبارا شقيا، وتلا:{وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا}[مريم:٣٢].

    [جامع البيان].

    ..

    {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}[النساء: ٣٧].

    بخل عريض، فاحذر!

    {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } قد تؤولت في البخل بالمال والمنع، والبخل بالعلم ونحوه، وهي تعم البخل بكل ما ينفع في الدين والدنيا من علم ومال وغير ذلك، كما تأولوا قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} النفقة من المال والنفقة من العلم، والنفقة من العلم هي صدقة الأنبياء وورثتهم من العلماء.

    [ابن تيمية رحمه الله].

    ..

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}[النساء: ٤٣].

    فهل نحن -وقد عافانا الله من السكر- نعي ما نقول؟

    [متدبر].

    ..

    {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ}[النساء: ٤٤].
    حقيق بمن من الله عليه بشيء من العلم أن يكونوا أسرع الناس انقيادا للحق، وأبعد الناس عن الباطل؛ ولهذا شدد الله الذم بمخالفة هذين الأمرين على أهل العلم كقوله:
    {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ}.

    [السعدي رحمه الله].

    ..

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً}[النساء: ٤٧].
    مر كعب الأحبار -قبل أن يسلم- بقارئ يقرأ هذه الآية قراءة حزينة، فقال كعب: يا رب! أسلمت؛ مخافة أن تصيبه الآية، ثم رجع فأتى أهله باليمن، ثم جاء بهم مسلمين.

    [جامع البيان].

    ..

    {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}[النساء: ٤٨].

    في قوله تعالى:
    {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} نعمة عظيمة من وجهين:
    أحدهما: أنه يقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا نقطع له بالعذاب وإن كان مصرا.
    والثانية: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف وطمع.

    [ابن الجوزي رحمه الله].

    ..

    {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا}[النساء: ٥٦].

    هل تذكرتها؟
    نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وعمقها طويل، لا يموت أهلها؛ فيستريحوا، ولا تقال عثرتهم، ولا ترحم عبرتهم، طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم.

    [الآجري].

    ..

    {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}[النساء: ٥٨].

    قال القرطبي رحمه الله: هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع.

    [الجامع لأحكام القرآن].

    ..

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[النساء: ٥٩].

    دليل على شمول الوحي؛ فلو لم يكن فيه الكفاية لما كان للأمر بالرجوع له عند التنازع فائدة.

    [د. عبد الرحمن الشهري].

    ..

    لم يقع الإنكار على أهل الإسلام إن هم اختلفوا؛ فالخلاف طبيعة بشرية ولكن الله تعالى أرشدهم للعلاج الناجح الناجع:
    {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وجعل في ذلك الخير وحسن العاقبة: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.

    [أ.د. عبد العزيز العويد].

    ..

    {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، ولم يقل: وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن الرد إلى القرآن رد إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم، فما حكم به الله تعالى هو بعينه حكم رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يحكم به الرسول صلى الله عليه وسلم هو بعينه حكم الله، فإذا رددتم إلى الله ما تنازعتم فيه -يعني كتابه- فقد رددتموه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك إذا رددتموه إلى رسوله فقد رددتموه إلى الله، وهذا من أسرار القرآن.

    [ابن القيم رحمه الله].

    ..

    {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}[النساء: ٦٤].

    وعدل عن قول: (واستغفرت لهم) إلى:
    {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ}؛ لأن في هذا الالتفات بيان تعظيم استغفاره، وأنهم سينالون شفاعته لأنه رسول، وفي ذلك تنويه بمكانة الرسالة التي جاء بها.

    [الزمخشري].

    ..

    وإذا كان توقف القلب عن الرضا بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج عن الإيمان، كما قال تعالى:
    {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}[النساء: ٦٥]، فكيف يصح الإيمان مع الاعتراض على الله تعالى؟

    [ابن مفلح].

    ..

    أعظم دلائل الإيمان الصادق: التسليم التام لأمر الله ورسوله، من غير حرج في النفس:
    {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}[النساء: ٦٥].

    [د. محمد الربيعة].

    ..

    من أسباب الفتنة: أن تترك ما أُمِرت به شرعا، وتنشغل بما لم تؤمر به، ولن تُسأَل عنه:
    {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}[النساء: ٦٦].

    [فهد العيبان].

    ..

    {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا}[النساء: ٦٩].

    تدرج من القلة إلى الكثرة، ومن الأفضل إلى الفاضل؛ إذ قدم ذكر
    {اللَّهَ} على {وَالرَّسُولَ} ورتب السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم كما تدرج من القلة إلى الكثرة، فبدأ بالنبيين وهم أقل الخلق عددا، ثم الصديقين وهم أكثر، فكل صنف أكثر من الذي قبله.

    [د. فاضل السامرائي].

    ..

    {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا*وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّه لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}[النساء: ٧٢-٧٣].

    فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم، بل إن أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم، وإن أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها، فهم لا يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم، أو شر دنيوي ينصرف عنهم، ومن لم يسره ما يسر المؤمنين، ويسوءه ما يسوء المؤمنين؛ فليس منهم.

    [ابن تيمية رحمه الله].

    ..

    {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا}[النساء: ٧٥].

    ذكر الولدان تكميلا للاستعطاف، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم للصبيان، وفيه دلالة على إجابة دعائهم، واقتراب الخلاص؛ لما فيه من التضرع لله.

    [أبو السعود].

    ..

    {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}[النساء: ٧٦].

    سمى الله الإنسان ضعيفا، وقال عن كيد الشيطان:
    {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} والضعيفان إذا اقتتلا، ولم يكن لواحد منهما معين، لم يظفر بصاحبه؛ فأمر الله الإنسان الضعيف أن يستعين بالرب اللطيف من كيد الشيطان الضعيف؛ ليعصمه منه ويعينه عليه.

    [ابن الجوزي رحمه الله].

    ..

    كثير من الناس حينما يستعيذ بالله من الشيطان، يستعيذ وفي نفسه نوع رهبة من الشيطان، وهذه الحال لا تليق أبدا بصاحب القرآن، الذي يستشعر أنه يستعيذ -أي يلوذ ويعتصم ويلتجيء- برب العالمين، وأن هذا الشيطان في قبضة الله، كيف لا وهو يقرأ قول ربه -الذي خلق هذا العدو-
    {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}؟

    [أ.د. عمر المقبل].

    ..

    {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا*مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}[النساء: ٧٨-٧٩].

    {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ}، هكذا قال المنافقون عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يتناول كل من جعل طاعة الرسول وفعل ما بعث به مسببا لشر أصابه، إما من السماء وإما من آدمي، وهؤلاء كثيرون.

    [ابن تيمية رحمه الله].

    ..

    {فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} فلو كان المؤمنون لا يفقهونه -أيضا-؛ لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به.

    [ابن تيمية رحمه الله].

    ..

    في قوله تعالى:
    {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه؛ فإن الشر لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس وذمهم، ولكن يرجع إلى الذنوب فيتوب منها، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته؛ فبذلك يحصل له الخير ويدفع عنه الشر.

    [ابن تيمية رحمه الله].

    ..

    {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}[النساء: ٨٢].

    فكما أن من تعامى في حياته صلى الله عليه وسلم عن نبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من مهجزاته ملوم مدحور، ومأزور غير مأجور؛ فكذلك من تعامى عن آيات الكتاب، وكأن لم يقرع أذنه قارع، فهو من هذا الباب؛ ولهذا نبه تعالى بقوله:
    {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}.

    [ابن الزبير الغرناطي].

    ..

    {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}، من المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل فيه الناس، فالقرآن يقرأه الناس بالليل والنهار لكن يتفاضلون في فهمه تفاضلا عظيما، وقد رفع الله بعض الناس على بعض درجات.

    [ابن تيمية رحمه الله].

    ..

    ملحظ دقيق: قال بعض الصالحين في قوله تعالى:
    {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} "جرأك على تلاوة خطابه، ولولا ذاك لكلّت الألسن عن تلاوته".

    [تاريخ الإسلام للذهبي].

    ..

    وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض -فيما يبدو لك- فتدبره حتى يتبين لك؛ لقوله تعالى:
    {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}، فإن لم يتبين لك، فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: {آمنا به كل من عند ربنا}[آل عمران: ٧]، واعلم أن القصور في علمك، أو في فهمك.

    [ابن عثيمين رحمه الله].

    ..

    {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}[النساء: ٨٢].
    من التزم الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم لم يختلف كلامه وعقائده؛ لأن ذلك غير مختلف، بخلاف من تعصب لطائفة من الطوائف.

    [ابن تيمية رحمه الله].

    ..

    القوانين الوضعية مهما كبرت عقول واضعيها واتسعت مداركهم وامتدت أنظارهم، فهي تختلف فيما بينها، وأوضاع الناس وأعرافهم تتبدل دائما؛ فتختلف القوانين عن مسايرة أوضاه الناس؛ فتحتاج إلى تعديل:
    {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}.

    [الطنطاوي].

    ..

    تأمل سياق هذه الآية:
    {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} ثم جاء بعدها مباشرة: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}، ففيها إشارة إلى أن الاختلاف والاضطراب في التعامل مع المستجدات من أهم أسبابه: الأخذ ممن لم يجعل الوحي مصدره في تقييم ما يستجد، والله أعلم.

    [أ.د. ناصر العمر].

    ..

    {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا}[النساء: ٨٥].

    عبر بالنصيب لأنه -غالبا- في الربح والخير، وبالكفل؛ لأن الأغلب استعماله في الشر والخسارة، فهل يدرك من يتوسطون لأناس، على حساب حقوق الآخرين، أي جرم يرتكبون؟ وأي غرم يتحملون؟ ف"من أشر الناس من الناس للناس".

    [أ.د. ناصر العمر].

    ..

    {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}[النساء: ٨٦].

    تشمل الحسن في لغة الوجه، فمن سلم عليك مبتسما، فابتسم له، ومن لم يبتسم فابتسم له؛ تكن أحسن منه.

    [د. صالح البهلال].

    ..

    {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}[النساء: ٨٧].

    من صور البلاغة القرآنية:
    قوله تعالى:
    {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} أبلغ مما لو قيل: لا أحد أصدق من الله حديثا؛ لأن الاستفهام يعني التحدي.

    [ابن عثيمين رحمه الله].

    ..

    {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا}[النساء: ٨٨]، عَتِبَ الله جل جلاله على الصحابة اختلافهم في المنافقين؛ فاحذر أن تختلف مع إخوانك مدافعا عن منافقين.

    [د. عبد المحسن المطيري].

    ..

    تدبر
    {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا} ثم تأمل في الجدل الإعلامي حول أشخاص أشربوا الفتنة وأركسوا فيها؛ تدرك مدى البعد عن هدي القرآن ودلالته، وتنزيل واقع الناس عليه.

    [أ.د. ناصر العمر].

    ..

    قوله تعالى:
    {كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}[النساء: ٩٤]، فيه تربية عظيمة: وهي أن يستشعر الإنسان -عند مؤاخذته غيره- أحوالا كان هو عليها تساوي أحوال من يؤاخذه، كمؤاخذة المعلم التلميذ بسوء إذا قصر في إعمال جهده، وكذلك هي عظة لمن يمتحنون طلبة العلم، فيعتادون التشديد عليهم، وتطلب عثراتهم.

    [ابن عاشور].

    ..

    {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}[النساء: ٩٥] فيه مخرج لذوي الأعذار: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم، حبسهم العذر":
    يا راحلين إلى البيت العتيق لقد .. سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
    إنا أقمنا على عذر وعن قدر .. ومن أقام على عذر كمن راحا

    [القاسمي].

    ..

    {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء: ٩٧].

    لم أجد -في نفسي- أقوى تأثيرا لدفع الفرد المسلم على أن يكون مبادرا وباذلا كل ما يملك لأجل تحقيق أهدافه النبيلة، مثل هذه الآية الكريمة، وقد نزلت في تأنيب من لم يبادر بالهجرة وبقي في مكة خوفا على أهله ومصالحه.

    [متدبر].

    ..

    تدبر قوله تعالى:
    {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ}[النساء: ١٠٢]، حيث قال: {لَهُمُ} مما يدل على أن الإمام ينبغي أن يعتني بصلاته أكثر، ويعتني بحال المأمومين؛ لأنه لا يصلي لنفسه، بل يصلي لمن خلفه من المأمومين أيضا.

    [د. عبد الرحمن الدهش].

    ..

    الاستغفار بعد الفراغ من العبادة هو شأن الصالحين، فالخليل وابنه قالا -بعد بناء البيت-:
    {وتب علينا}[البقرة: ١٢٨]، وأمرنا به عند الانتهاء من الصلاة:{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ}، [النساء: ١٠٣]، وبينت السنة أنه البدء بالاستغفار، وكذا أمرنا بعد الإفاضة من عرفة، فما أحوجنا إلى تذكر منة الله علينا بالتوفيق للعبادة، واستشعار تقصيرنا الذي يدفعنا للاستغفار.

    [أ.د. عمر المقبل].

    ..

    ما نراه من مآسي المسلمين أمر يجسد كل صور الألم الجسدي والنفسي؛ لكن عزاؤنا أن ربنا أخبرنا أن الألم متبادل:
    {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ}[النساء: ١٠٤]، فعلى المؤمنين أن يقووا رجاءهم بربهم، فهو ما يميزهم عن غيرهم.

    [د. عويض العطوي].

    ..

    هذا تشجيع لنفوس المؤمنين، وتحقير لأمر الكفرة، ولما كانوا مستوين في الألم؛ أكد التشجيع بقوله:
    {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} وهذا برهان بيّن ينبغي بحسبه أن تقوى نفوس المؤمنين.

    [الثعالبي].

    ..

    عندما يتدبر المؤمن قوله تعالى:
    {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}[النساء: ١٠٥]، ثم يتأمل الواقع؛ يدرك كم من إنسان نصب نفسه مجادلا ومحاميا لأهل الباطل، إما حمية، أو لطلب مال أو شهرة، بل قد يفعل ذلك بعضهم تأولا وبحسن نية؛ لذا جاء بعدها: {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}[النساء: ١٠٦].

    [أ.د. ناصر العمر].

    ..

    حكى ابن تيمية رحمه الله عن بركة تطبيق هذا التوجيه الرباني فقال: إنه ليقف في خاطري في المسألة أو الشيء أو الحالة، فأستغفر الله الف مرة أو أكثر أو أقل؛ حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل، وأنال مطلوبي.

    [العقود الدرية لابن عبد الهادي].

    ..

    {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}[النساء: ١٠٧].

    استقراء إمام:
    يقول ابن تيمية رحمه الله: من فسر من العلماء: (الاختيان) بأنه ظلم النفس بأي ذنب كان سرا أو علانية؛ ففي قوله نظر؛ لأن الاختيان إنما يستعمل في الذنوب التي تفعل سرا فحسب، كقوله تعالى:
    {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم}[البقرة: ١٨٧].

    [مجموع الفتاوى].

    ..

    {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}[النساء: ١١٠].

    سمي ظلم النفس ظلما؛ لأن نفس العبد ليست ملكا له، وإنما هي ملك لله قد جعلها أمانة عند العبد.

    [السعدي].

    ..

    {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}
    [النساء: ١١٢].

    وإنما فرق بين (الخطيئة) و (الإثم)؛ لأن (الخطيئة)، قد تكون من قبل العمد وغير العمد، و(الإثم) لا يكون إلا من العمد، ففصل جل ثناؤه لذلك بينهما؛ فقال: ومن يأت خطيئة على غير عمد منه لها أو إثما على عمد منه... إلخ.

    [الطبري].

    ..

    {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}[النساء: ١١٣].

    حتى الأنبياء لم يسلموا من محاولات الإغواء والإضلال، فمن يأمن البلاء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم؟ ومن الذي يظن أنه بمعزل عن الفتنة؟ نسأل الله الثبات على الحق.

    ..

    {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء: ١١٤].

    تدبر هذه الآية تلحظ أن الأصل في هذه الثلاثة الإخفاء؛ فذلك أقوى أثرا وأعظم أجرا، وأرجى في تحقيق المراد، وأما العلانية فيها فهي الاستثناء إذا وجد لذلك سبب معتبر.

    [أ.د. ناصر العمر].

    ..

    {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء: ١١٥].

    لا يستغربن أحد هذا الوعيد!
    فإن جرثومة الشقاق لا تولد؛ حتى يولد معها كل ما يهدد عافية الأمة بالانهيار.

    [محمد الغزالي].

    ..

    {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا}[النساء: ١٢٣].

    كل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كل مذنب ذنبا، وهو معنى قوله تعالى:
    {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله فظن ألا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة، وربما كان العقاب العاجل معنويا، كما روي أن بعض أحبار بني إسرائيل قال: يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني؟ فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري؟! أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟

    [صيد الخاطر].

    ..

    من الاغترار أن تسيء فترى إحسانا، فتظن أنك قد سومحت، وتنسى:
    {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}.

    [صيد الخاطر].

    ..

    {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}[النساء: ١٢٩].

    في هذه الآية إشارة إلى المبادرة في الحسم وإصلاح الشأن: إما بالوفاق أو الفراق، بعد أن تُتخذ الوسائل المشروعة، ولعل ذلك لا يقف عند مسألة الزوجية، بل يتعداه إلى أمور كثيرة من شأنها أن تعقد المشكلات، أو تنشئها إن لم تكن موجودة، فاللائق -في الأحوال التي لا يسوغ فيها التروي- أن تحسم الأمور ولا تظل معلقة؛ ليعرف كل طرف ما له وما عليه، ولئلا يبقى في النفوس أثر يزداد مع الأيام سوءا.

    [د. محمد الحمد].

    ..

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}[النساء: ١٣٥].

    اختيار صيغة المبالغة
    {قَوَّامِينَ}؛ دلالة على أنه ينبغي الصبر واحتمال مشقة إقامة العدل في شأن المسلم كله، مع نفسه ومع الآخرين، وأن ذلك لا يتم إلا بالصبر وتوطين النفس على العدل.

    [د. عبد الرحمن الشهري].

    ..

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا}[النساء: ١٣٦].

    دعوة صريحة لكل مؤمن أن يتعاهد إيمانه ويجدده؛ فإنه يبلى ويضعف وتصيبه الآفات، وفي الأثر: "إن الإيمان ليَخلق في جوف أحدكم كما يَخلَق الثوب الخَلِق، فأسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم".

    [د. محمد الخضيري].

    ..

    {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}[النساء: ١٤٠].

    رفع لعمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر فأمر بجلدهم فقيل له: إن فيهم صائما، فقال: ابدأوا به! أما سمعتم الله يقو
    {وَل:قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ}؟فبين رحمه الله أن الله جعل حاضر المنكر كفاعله.

    [ابن تيمية رحمه الله].

    ..

    مفارقة المنكرات: يجب مغادرة المكان الذي يكفر فيه بآيات الله، ولا يبقى الإنسان ويقول: أنا منكر بقلبي! فلو صدق لقام؛ فالجوارح تبع للقلب، فلو كره القلب لكرهته الجوارح!

    [ابن عثيمين رحمه الله].

    ..

    أعيذ بالله مسلما صام يوما من رمضان طاعة لله، أن يجلس مجلسا يشاهد فيه قناة تستهزئ بالله وآياته! وقد قال الله:
    {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ}.

    [د. محمد الخضيري].

    ..

    {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}[النساء: ١٤٢].

    في هذا الذم للمنافقين دليل على وجوب الطمأنينة في الصلاة، وتكميل ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها؛ لأن العبد لا يسلم من هذا الذم إلا بهذا التكميل والإخلاص لله تعالى.

    [السعدي رحمه الله].

    ..

    إذا رأيت الصلاة ثقيلة عليك، حتى ولو كانت نافلة، فاعلم أن في قلبك نفاقا؛ لأن هذا شأن المنافقين، الذين قال الله فيهم:
    {وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} ، وإذا رأيت من قلبك خفة واستبشارا، فاعلم أن هذا دليل على قوة إيمانك.

    [ابن عثيمين رحمه الله].

    ..

    أيام عشر ذي الحجة: أيام ذكر وتكبير وصدقة، ومسابقة في الأعمال الصالحة، وقد وصف الله المنافقين بأنهم:
    {وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} وأنهم: {ولا ينفقون إلا وهم كارهون}[التوبة: ٥٤]، فاحذر أن تشابههم في صفة من صفاتهم.

    [أ.د. ناصر العمر].

    ..

    {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}[النساء: ١٤٣].

    علامة النفاق: إذا وجدت نفسك مترددا بين القبول والإنكار لحكم شرعي، فاعلم أن فيك شبها من المنافقين؛ لأن المؤمن لا يمكن أن يكون مترددا.

    [ابن عثيمين رحمه الله].

    ..

    {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}[النساء: ١٤٧].

    قال مكحول الشامي: أربع من كن فيه كن له: الشكر والإيمان والاستغفار والدعاء، قال الله تعالى:
    {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ}، وقال: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[الأنفال: ٣٣]، وقال: {قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم}[الفرقان: ٧٧].

    [حلية الأولياء].

    ..

    من الغرائب أن بعض الناس فهم أن الإسلام يمجد الآلام لذاتها، ويكرم الأوجاع والأوصاب
    {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ}.

    [خلق المسلم].

    ..


    {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}[النساء: ١٥٥].

    من أخطر آثار الذنوب!
    والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى والعلم النافع كقوله:
    {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}، وقال: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}[الصف: ٥].

    [ابن تيمية رحمه الله].

    ..

    فقوم هذا تاريخهم لا يستغرب منهم ما يفعلونه بإخواننا المسلمين!
    إنما الغرابة والعجب أن يوثق بعهود من نقضوا عهودهم ومواثيقهم مع ررب العالمين، وأن يؤتمن قتلة المرسلين.

    ..

    {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا}[النساء: ١٦٠].

    استقراء عالم: تحريم الشيء عقوبة وتأديبا وقع في بعض الشرائع الماضية، كما قال تعالى:
    {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} ، ولكن لم يقع في الشريعة الإسلامية بحال.

    [محمد الخضر حسين].

    ..

    ارتكاب الآثام سبيل السقوط والإهانة، ومزلقة إلى خزي الفرد والجماعة
    {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا}.

    [محمد الغزالي].

    ..

    {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}[النساء: ١٧١].

    إطلاق العنان للتجربة الوجدانية، قد يؤدي إلى تجاوز النصوص التي هي حدود الله لضبط الوجدان الديني؛ وإذن يكون الانحراف والانجراف! هذا معطى أساسي لفهم (النفسية الغالية في الدين)!

    [د. فريد الأنصاري].

    ..

    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا}[النساء: ١٧٤].

    فالقرآن هو عهد الله إلى الناس أجمعين، فهل عقدت عليه عزمك، وأبرمت عليه ميثاقك، أم أنك لا تزال من المترددين؟ نعم لك أن تنظر ماذا ترى، ولكن اعلم أن العمر لا ينتظرك، وأن الأرض تجري في دورتها الفلكية؛ لتلقي بك عن كاهلها قريبا، فالبدار البدار قبل فوات الأوان.

    [د. فريد الأنصاري].

    ..

    {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} يستنير به: القلب، والوجه، والطريق الله عز وجل.
    فابحث عن أثر هذا النور في قلبك ووجهك وحياتك كلها.

    [ابن عثيمين رحمه الله].

    ..

    {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} لما مات صلى الله عليه وسلم زار أبو بكر وعمر أم أيمن رضي الله عنهم، فوجداها تبكي، فقالا: ألا تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله؟ قالت: بلى، ولكني أبكي لانقطاع الوحي من السماء!!

    فتأمل جوابها العجيب، ثم انظر كم في المسلمين من تمر عليه الأيام والأشهر دون أن يتأثر قلبه لعدم اتصاله بهذا الوحي! فضلا عن أن يبكي.

    [أ.د. عمر المقبل].

    ..





    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..


  4. #54
    مسئولة الإعلانات الصورة الرمزية مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    المشاركات
    2,153

    افتراضي

    بارك الله فيك - ونفع بك


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #55
    عضو نشيط الصورة الرمزية أم عفاف
    تاريخ التسجيل
    Sep 2013
    المشاركات
    60

    افتراضي



    بسم الله الرحمن الرحيم..





    سورة المائدة مدنية، وهي من آخر ما نزل من القرآن، ولذلك قال العلماء: ما كان فيها من حلال فأحلوه، وما كان فيها من حرام فحرموه، ولم يأتِ فيها حكم يكون منسوخًا، بل كل الأحكام التي فيها محكمة.


    [تفسير ابن عثيمين، رحمه الله]




    مقصد السورة:
    الوفاء بالعقود والتزام الشرائع والحدود وإكمال الدين.






    ••

    التدبرات


    ..[جميعها مقتبسة من مجموعة ليدبروا آياته]..





    روى الحاكم عن جبير بن نفير، قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير! تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.


    [المصباح المنير].


    ..




    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}[المائدة: ١].


    تأمل أيها المؤمن في سطرين فقط، وفي آية واحدة: نداء وتنبيه، أمر ونهي، تحليل وتحريم، إطلاق وتقييد، تعميم واستثناء، وثناء وخبر، فسبحان من هذا كلامه!


    [د. عويض العطوي].


    ..


    ما أحسن العبد وهو ذاهب إلى نسكه أن يستشعر هذه الآية: { آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا}[المائدة: ٢]؛ لعل ذلك يحدوه إلى امتثالها، ودعاء الله بتحقيقها.


    [متدبر].


    ..


    قال الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون على البر، وقرنه بالتقوى له، فقال سبحانه: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:٢]؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس؛ فقد تمت سعادته وعمت نعمته.


    [تفسير القرطبي].


    ..


    {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:٢] ولا فرق في أصل طلب التعاون بين أن يكون الخير من مصالح الحياة الدنيا -التي أذنت الشريعة بإقامتها- وأن يكون من وسائل السعادة في الأخرى.


    [محمد الخضر الحسين].


    ..


    قال جمهور الأئمة: لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم: لا لحما ولا ثوبا، ولا يعارون دابة، ولا يعاونون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[المائدة:٢].


    [ابن تيمية].


    ..


    قال رجل من اليهود لعمر: يا أمير المؤمنين، لو أن علينا نزلت هذه الآية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}[المائدة:٣]، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال عمر: إني لأعلم أي يوم نزلت هذه الآية، نزلت يوم عرفة، في يوم جمعة.


    والشاهد هنا: أن عمر لم يبتدع عيدا موافقة لقول اليهودي؛ لعلم الفاروق أن الأعياد مبناها على النص الشرعي. [د.عمر المقبل].
    ..
    والسؤال: كم هم المسلمون الذين يعرفون من قيمة هذه الآية ما عرفه هذا اليهودي؟!


    ..


    قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: من أحدث في هذا الأمة شيئا لم يكن عليه سلفا، فقد زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[المائدة:٣]، فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا.


    ..


    في يوم عرفة نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}، "وهذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه".


    [ابن كثير].


    ..


    من مظاهر الإعجاز البلاغي في القرآن إيثار لفظ بدل آخر، فتأمل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}[المائدة:٣]، فما السر في التعبير عن الدين بالكمال، وعن النعمة بالتمام؟ السر -والله أعلم- أن الكمال لا زيادة عليه، ومن هنا يعلم أنه لا زيادة في الدين؛ لأنه اكتمل، أما النعمة فعبر عنها بالتمام؛ لأن التمام يقبل الزيادة ليصل إلى الكمال، ودليل ذلك أن النعم تختلف من زمن إلى آخر، فما يتنعم به بعض الفقراء اليوم لم يكن يحلم به هارون الرشيد في زمنه.


    [أ.د. محمد الصامل].


    ..


    (٢٣سنة) هي الفاصلة بين هذه الآية التي نزلت في مثل هذا اليوم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} وبين نزول: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}{فليدع ربه}[العلق١-١٧]، فأين الشقي أبو جهل ومن كان معه في نادي قريش؟! ليروا جموع الحجيج على صعيد عرفات وقد جاؤوا من كل فج عميق!


    [د.عمر المقبل].


    ..


    {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}[المائدة:٤]، من شرف العلم: أنه لا يباح إلا صيد الكلب العالِم؛ فانظر حتى الكلاب تتمايز بالعلم!


    [ابن القيم].


    ..


    {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ}[المائدة:٤]، فيه دليل على أن كل آخذ علم؛ عليه ألا يأخذه إلا من أتقن أهله علما، وأنحرهم دراية، وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ من غير متقن قد ضيّع أيامه، وعض عند لقاء النحارير إبهامه.


    [النسفي].




    ..




    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ...}[المائدة: ٦].
    دلت آية الوضوء: على سبعة أصول، كلها مثنى: طهرتان: الوضوء والغسل. ومطهران: الماء والتراب. وحُكمان: الغسل والمسح. وموجبان: الحدث والجنابة. ومبيحان: المرض والسفر. وكنايتان: الغائط والملامسة. وكرامتان: تطهير الذنوب وإتمام النعمة.


    [البجيرمي].


    ..


    في قوله تعالى في ختام آية الوضوء: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}[المائدة: ٦] دلالة على أنه يعفى عن كل ما يشق التحرز منه من مبطلات الوضوء، وموانع كمال الطهارة.


    [د. إبراهيم الحميضي].


    ..


    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[المائدة:٨].
    نهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على أن يعدلوا عليهم؛ فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان؟ فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له، فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا.


    [ابن تيمية].


    ..


    الصلاة أعظم الأعمال، فإذا صلحت صلح كل شيء للإنسان دنيا وآخرة.. وفي أجواء الفتن التي نعيشها، وشدة الحاجة والأزمات، لا يحتاج الإنسان -إن كان مُتقِنا لصلاته- لغير الله، وبفضل الله يكون الفرج: {إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ}[المائدة:١٢].


    [د.عبد الرحمن الدهش].


    ..


    عن ابن مسعود رضي الله عنه: قال: إن المرء قد ينسى بعض العلم بالمعصية، وتلا قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ}[المائدة: ١٣].


    [النسفي].


    ..


    سئل سفيان بن عيينة رحمه الله: أيسلب العبد العلم بالذنب يصيبه؟ قال: ألم تسمع قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ}؟ وهو كتاب الله، وهو أعظم العلم، وهو حظهم الأكبر الذي صار لهم، واختصوا به، وصار حجة عليهم.


    ..


    مفهوم خاطيء للهزينة: العفو والتجاوز ليس هزيمة كما يظن بعض الناس، وقد أشار ابن كثير رحمه الله لهذا المعنى فقال في تفسير قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} "هذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: "ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه"؛ وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم".


    ..




    ذكر ابن كثير أن بعض الشيوخ قال لصاحبه: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يجب! فتلا الشيخ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم}[المائدة:١٨]، علق ابن كثير قائلا: "وهذا الذي قاله حسن".


    ..


    إذا تخاذل الناس فليكن لك موقف صدق، تأمل في قصة فتح بيت المقدس وكيف قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ}[المائدة:٢٢]، فحفظ القرآن موقف رجال الصدق في هذا المشهد المليء بالتخذيل: {قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ}[المائدة:٢٣].


    [د.محمد الربيعة].


    ..


    إذا انغلق عليك أمر مشروع، أو ترددت فيه؛ شكا في عدم قدرتك عليه؛ فاعزم وتوكل: {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[المائدة: ٢٣].


    [أ.د. ناصر العمر].


    ..


    {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}[المائدة: ٢٥].
    فراق الفجرة من شيم البررة؛ لأن جليس السوء كصاحب الكير.


    [العز بن عبد السلام].


    ..


    تأمل هاتين الآيتين: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً}[المائدة:٢٦] و {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة}، تدرك أن (الأربعين) قد انقرض فيها جيل الهزيمة {إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ونشأ جيل بلغ الأشد والاستواء؛ فكان على أيديهم فتح بيت المقدس، بقيادة يوشع بن نون، أحد الرجلين المتفائلين الواثقين بنصر الله، فلا يأس من روح الله.


    [أ.د. ناصر العمر].


    ..


    قف وتدبر قصة التيه، وموقف بني إسرائيل من موسى وهارون عليهما السلام بعد هذه المسيرة الطويلة، والجهاد العظيم؛ تجد فيها تسلية وعزاء لكل عالم وداعية وإمام، وهي برهان على الثبات على المنهج من قِبَل الرواد والأئمة، مهما كان التجاوب الظاهر سلبيا{فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}[المائدة:٢٦].


    [أ.د. ناصر العمر].


    ..


    لما رفض قوم موسى عليه السلام دخول بيت المقدس! صدع رجلان بالحق، ومع أنهما لم يستطيعا تغيير الواقع، بل أصر القوم على التمرد؛ فقد أثنى الله عليهما، ودخل الساكتون المداهنون في الذم، فتدبر هذه القصة العجيبة: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}[المائدة:٢٦].


    [أ.د. ناصر العمر].


    ..


    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كونوا لقبول العمل أشد هما منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة: ٢٧].


    ..


    {فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[المائدة: ٣٠]، {فعقروها فأصبحوا نادمين}[الشعراء:١٥٧]، لم يكن بين قوة الدافع لارتكاب الجريمة والانتقام، وطغيان الشعور بالزهو والانتصار، وبين الندم والخسران، والبؤس والكآبة: سوى لحظات فعل الجريمة وتنفيذها، فيا طول حسرة المتعجلين.


    [أ.د.ناصر العمر].


    ..


    {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}[المائدة: ٣١]، حتى ولو أخفى القاتل مشاعره، فرحى الجريمة تطحنه، وصوت الفعلة النكراء يضج في داخله.


    [د. عبد الله بلقاسم].


    ..


    {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}[المائدة: ٣٧].
    •درتان من عقد بيان ابن تيمية رحمه الله:
    الدرة الأولى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}: ففيها إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية: غما وحزنا وظلمة قلب، فللكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم؛ ولذا نجد غالب هؤلاء لا يطيبون عيشهم إلا بما يزيل العقل، ويلهي القلب: من تناول مسكر، أو سماع مطرب، ونحو ذلك.


    الدرة الثانية: وفي مقابل ما حكاه الله عن الكافرين؛ قوله في المؤمنين: {أولئك سيرحمهم الله}[التوبة: ٧١]، فإن الله يعجل للمؤمنين من الرحمة في قلوبهم، وغيرها، بما يجدونه من حلاوة الإيمان ويذوقونه من طعمه، وانشراح صدورهم للإسلام، إلى غير ذلك من السرور بالإيمان، والعلم، والعمل الصالح، بما لا يمكن وصفه.


    ..




    قد لا تُختم الآية الكريمة بأسماء الله الحسنى صراحة، ولكن قد تذكر فيها أحكام تلك الأسماء، كقوله تعالى -لما ذكر عقوبة السرقة، فإنه قال في آخرها-: {نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[المائدة:٣٨]، أي: عز وحكم فقطع يد السارق، وعز وحكم فعاقب المعتدين شرعا، وقدرا، وجزاء.


    [السعدي].


    ..


    ليس من شأننا أن نُسمع الصم أو نهدي العمي، ولا الذين يجعلون أصابعهم في أذانهم، فإذا هم لا يسمعون، أو يضعون أكفهم على أعينهم، فإذا الشمس الطالعة ليست بطالعة: {وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}[المائدة: ٤١]، وإنما سبيلنا أن ننصب الحجة لجاهلها من طلاب الحق، ونوضح الطريق لسابلها من رواد اليقين.


    [د. محمد دراز].


    ..


    حين ترى حقا أبلق، وعمى مطبقا، فتذكر قول الحق: {وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}[المائدة: ٤١].


    [د. عبد الله السكاكر].


    ..


    القلب لا يدخله حقائق الإيمان إذا كان فيخ ما ينجسه من الكبر والحسد، قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}[المائدة:٤١]، وقال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا}[الأعراف: ١٤٦].


    [ابن تيمية].


    ..


    {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}[المائدة: ٤٢]، إذا كان ربنا تعالى قد عاب سماع الكذب، فما ظنك بالكذب نفسه؟ والغيبة والنميمة والبهتان؛ لأن مجرد سماع الكذب يفضي لشر كثير، أوله: مرض القلب بالشبهة، ثم تتأثر الجوارح -بعد ذلك- تبعا لتأثر القلب.


    ..


    عن أبي المثاب القاضي قال: كنت عند القاضي إسماعيل يوما؛ فسئل: لِمَ جاز التبديل على أهل التوراة، ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال: قال الله تعالى في أهل التوراة: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ}[المائدة:٤٤]، فوكل الحفظ إليهم. وقال في القرآن: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[الحجر: ٩]، فلم يجز التبديل عليهم!


    ..




    {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[المائدة:٤٨]، في شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم من اللين والعفو والصفح ومكارم الأخلاق، أعظم مما في الإنجيل، وفيها من الشدة والجهاد، وإقامة الحدود على الكفار والمنافقين، أعظم مما في التوراة، وهذا هو غاية الكمال؛ ولهذا قال بعضهم: "بعث موسى بالجلال، وبعث عيسى بالجمال، وبعث محمد بالكمال".


    [ابن تيمية].


    ..


    {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[المائدة:٤٨].
    إذا كان الله تعالى يريد هيمنة القرآن على بقية الكتب السماوية، رغم كونها جميعا كتب الخالق سبحانه، فكيف بمن يقاوم هيمنة القرآن على كتب المخلوقين، ودساتير البشر؟!




    [إبراهيم السكران].


    ..


    كل حكم يخالف شريعة الله، فهو من فصيلة أحكام الجاهلية: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[المائدة: ٥٠].


    [محمد الخضر حسين].


    ..


    أضيف لفظ {الْجَاهِلِيَّةِ} في القرآن إلى أربع كلمات: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ}، {ظن الجاهلية}[آل عمران: ١٥٤]، {تبرج الجاهلية}[الأحزاب: ٣٣]، {حمية الجاهلية}[الفتح: ٢٦]، فالأول يأتي من فساد النظم، والثاني من فساد التصورات والمشاعر، والثالث من فساد اللباس لدى المرأة، والرابع من العصبيات والموروثات الفاسدة.


    [عبد العزيز العومي].


    ..


    {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[المائدة: ٥٠].
    ها هم يبحثون عن حلول الأرض لعقوبات السماء، لقد فشل هؤلاء في بناء نظام يحفظ هذا المال الذي يعبدونه، والذي هو منتهى نظرهم ومدار فكرهم، وتالله إنهم لفي بناء النظام الاجتماعي والتربوي والقانوني أفشل، وهو درس لمن طلب هدايته من الضالين، أو رأى مصلحته في غير شرع الحكيم الخبير.


    ..


    علاقة الكافر بالكافر وإن كانت في الأصل موجودة: {بعضهم أولياء بعض}[المائدة:٥١] لكنها في الحقيقة هزيلة؛ لضعف الرابطة وعدم أصالتها: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض}[البقرة١٤٥]، وفي الآخرة تنهار هذه الرابطة: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا*ربنا ءآتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا }[الأحزاب: ٦٧-٦٨].


    [د.عبد الله الجلالي].


    ..


    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ...}[المائدة:٥٤].
    من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيَه ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره! وأعجب من كل ذلك..علمك أنك لا بد لك منه، وأنك أحوج شيء إليه، وأنت عنه معرض، وفيما يبعدك عنه راغب!


    [ابن القيم].


    ..


    الحب في قاموس أهل القرآن لا يضاهيه أي حب، إنه حب يتصل بالملكوت الأعلى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}[المائدة: ٥٤]، وإمامهم فيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}[آل عمران: ٣١]، فلا ينقضي عجبك حين يغفل بعض المسلمين عن هذا الحب الذي لا ينقطع لحظة واحدة، وينشطون لحب يتذاكرونه مرة كل سنة، وإمامهم فيه قسيس نصراني يدعى فلنتاين، {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}[البقرة: ٦١١].


    ..


    {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة:٥٦].
    هذه بشارة عظيمة لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجنده؛ أن له الغلبة، وإن أديل عليه في بعض الأحيان لحكمة يريدها الله تعالى فآخر أمره الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلا؟


    [السعدي].


    ..




    {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[المائدة:٦٣].
    فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم ويفرج ا لها عن قلوبهم؛ فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة.


    [الشوكاني].


    ..


    سمعت العلامة ابن باز يبكي لما قرئ عليه قوله تعالى عن أهل الكتاب: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا}[المائدة:٦٤] ويقول: نعوذ بالله من الخذلان! بدلا من أن يزيدهم القرآن هدى وتقى، زادهم طغيانا وكفرا! وهذا بسبب إعراضهم وعنادهم وكبرهم، فاحذر يا عبد الله من ذلك حتى لا يصيبك ما أصابهم.


    [د.عمر المقبل].


    ..


    تدبر كم في القرآن من ذكر لجرائم اليهود:
    -في حق الله: {وقالت اليهود يد الله مغلواة}[المائدة: ٦٤].
    -وملائكته: {من كان عدوا لجبريل}[البقرة:٩٧].
    -وكتبه: {يحرفون الكلم من بعد مواضعه}[المائدة:٤١].
    -والمؤمنين: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود}[المائدة: ٨٢].
    -البلاد والعباد: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا}[المائدة:٦٤].


    أليسوا هم بذاك رؤوس الإرهاب بلا ارتياب؟


    ..


    {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ*وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ}[المائدة: ٦٥-٦٦].
    النعيم في الآخرة ينال بالإيمان والتقوى، والنعيم في الدنيا ينال بإقامة حكم الله في الأرض.


    [متدبر].


    ..




    {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة:٧٧]


    من لم يتيقن صحة الطريق، فتراه مرة ذات اليمين، ومرة ذات الشمال، فكيف يهدي غيره سواء السبيل؟


    [أ.د.ناصر العمر].


    ..


    {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ*كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}[المائدة: ٧٨-٧٩].


    إن القرآن ليحدثنا أن شعبا قديما قد تعرضوا للعنة على ألسنة الأنبياء، وكان كل ذنبه -حتى يستحق هذه اللعنة- أن المجتمع لم ينكر على بعض أعضائه فعلهم للشر.


    [محمد دراز].


    ..


    لو سكت أهل الحق عن بيان الحق، لاستمر المخطئون على أخطائهم، وقلدهم غيرهم في ذلك، وباء الساكتون بإثم الكتمان.


    [ابن باز].




    ..




    دعا حاخام أمريكي لإبادة العرب ومقدساتهم، وذلك في العدد الأخير من مجلة "مومنت" الأمريكية في زاوية "اسألوا الحاخامات"، وأضاف فريدمان، الحاخام للدراسات اليهودية: "الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية: دمروا مقدساتهم، واقتلوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم، فعند تدمير مقدساتهم سوف يتوقفون عن الاعتقاد بأن الرب إلى جانبهم"، وصدق الله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ}[المائدة: ٨٢].


    ..


    {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}[المائدة: ٨٣].
    هذا وصف حالهم، وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم.


    [القرطبي].


    ..


    {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[المائدة: ٩٣].


    قال العلامة السعدي رحمه الله: تأملت في تكرار التقوى ثلاث مرات في هذه الآية، فوقع لي وجهين:
    ١-أحدهما: أن الأول للماضي والثاني للحال والثالث للمستقبل.
    ٢-الثاني: أن الأول في مقام الإسلام والثاني في مقام الإيمان والثالث في مقام الإحسان: والمؤمن لا تكمل تقواه حتى يترك ما حرم الله ولا يتم دينه إلا بهذه المقامات الثلاثة.


    [المواهب الربانية].


    ..




    {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ}[المائدة: ٩٤] جاءت في سياق آيات منع المُحرِم من الصيد، وفيها تربية للنفس على ترك المباح في أصله -وهو الصيد- الذي حُرّم مؤقتا؛ طاعة لله، وتأمل كلمة: {بِالْغَيْبِ} ففيه تنبيه على نية من يصيد، ومن يصاد له.


    [أ.د. محمد العواجي].


    ..


    الأمن في الحج:
    تأمل التهديد العظيم لمن عاد -بعد نهي الشرع له- إلى قتل الصيد وهو محرم، أو في في حدود الحرم: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[المائدة: ٩٤] فإذا كان من يقتل حمامة أو أرنبا فهذا جزاؤه!
    فماذا يكون جزاء من قتل مسلما أو اعتدى عليه؟!


    [د. عمر المقبل].


    ..


    الحج قوام الدين والدنيا: يقول ابن جرير رحمه الله في قوله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ}[المائدة:٩٧]: "كانت هذه الأربع قوام أمر العرب -الذي كان به صلاحهم في الجاهلية-، وهي في الإسلام لأهله معالم حجهم، ومناسكهم، ومتوجههم لصلاتهم وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم".


    [جامع البيان].


    ..


    {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ}[المائدة:٩٧]
    إنما كانت الكعبة قياما للناس -وهم العرب-؛ لأنها كانت سبب هدايتهم إلى التوحيد، واستبقت الحنيفية في مدة جاهليتهم، فلما جاء الإسلام كان الحج إليها من أفضل الأعمال، وبه تكفر الذنوب، فكانت الكعبة بهذا قياما للناس في أمور أخراهم بمقدار تمسكهم بما جعلت الكعبة له قياما.
    وقد عطف (الشهر الحرام) على (الكعبة) باعتبار كون الكعبة أريد بها ما يشمل علائقها وتوابعها؛ فإن الأشهر الحرم ما اكتسبت الحرمة إلا من حيث هي أشهر الحج والعمرة للكعبة.


    [ابن عاشور].


    ..


    إن الإنسان محتاج دائما إلى منشطات الأمل وكوابح الغرور، فإن يأسه من النجاح يقوده إلى السقوط، واغتراره بما عنده يمنعه السبق؛ ولذا كان من سنن القرآن الجمع بين الوعد والوعيد، كما في قوله: {اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[المائدة:٩٨]. ليظل الإنسان دائما محكوما بمشاعر الخوف والرجاء.


    [محمد الغزالي].


    ..




    في أواخر سورة المائدة ذكر الله عز وجل التحريف في الوصية: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا}[المائدة: ١٠٧]، ثم أتبعه بتحريف من نوع آخر، وهو تحريف النصارى لوصية عيسى بالتوحيد: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ}[المائدة:١١٦].


    [متدبر].


    ..


    {سُبْحَانَكَ} هكذا افتتح عيسى عليه السلام جوابه الذي تبرأ فيه من التثليث، مبينا منهج الداعية فيما يأتي من الأقوال ويدع: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ} وقوله: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} مستحضرا في ذلك علم الله ومراقبته: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} فوفقه ربه للأدب معه، وتعظيمه ومراقبته ومعرفة القول المشروع واجتناب الممنوع.


    [د.عبد الله الغفيلي].


    ..


    تأمل قول عيسى عليه السلام: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}[المائدة: ١١٦] وانظر واقع بعض المتبوعين في قول غير الحق؛ لتدرك سر الانحراف، وتحملهم وزر ضلال كثير من المسلمين.


    [أ.د.ناصر العمر].


    ..


    قام نبيك صلى الله عليه وسلم ليلة كاملة بآية يرددها حتى أصبح، وهي: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[المائدة:١١٨]؛ لذا قال ابن القيم رحمه الله: "فإذا مر بآية -وهو محتاج إليها في شفاء قلبه- كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة! فقراءة آية بتفكر وتفهم، خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن".


    ..


    إذا انفتح قلبك قف!
    والمراد: أنك إذا وجدت قلبك قد تأثر بآية، وانفتح لها، فقف وكررها كثيرا، فقد بقي نبيك صلى الله عليه وسلم يردد آية ليلة كاملة حتى أصبح، هي خواتيم سورة المائدة: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ...}


    ..


    التأمل في الأسماء الحسنى التي تختم بها الآيات الكريمة من مفاتيح فهم القرآن وتدبره، ومثاله: قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[المائدة: ١١٨]، فلم تختم الآية بقوله: {الغفور الرحيم}؛ لأن المقام مقام غضب وانتقام ممن اتخذ إلها مع الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، وصار أولى من ذكر الرحمة.


    [ابن سعدي].


    ...




    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..


+ الرد على الموضوع
صفحة 6 من 6 الأولىالأولى ... 456

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •